الشمال نيوز من طنجة
يقلب زبون جلابة رجالية رمادية من الداخل، يرفعها قليلا نحو الضوء، ويمرر أصابعه على خياطة فتحة العنق قبل أن يسأل التاجر عن الثمن.
في قيسارية جبالة، المتفرعة عن زنقة الصياغين في المدينة العتيقة لطنجة، تتجاور المحلات الصغيرة داخل ممر ضيق ومسقوف، وتتعاقب على واجهاتها جلابيب بألوان داكنة وترابية، وأطقم “الجابدور” المعلقة في صفوف متقاربة، فيما يتسرب من دكاكين جانبية صوت آلات خياطة تنشغل بتعديلات اللحظة الأخيرة.
في هذا الجزء من سوق الداخل، لا يكتفي كثير من الزبائن بالنظر إلى القطعة من الخارج. يقلبون الجلابة، يفحصون “العقاد” والتطريز، ويسألون عن نوع الثوب قبل الانتقال إلى الثمن. وعلى الرفوف السفلية، تصطف “البلاغي” الجلدية بألوان صفراء وبيضاء وسوداء، بينما توضع في الخلف أثواب خام مطوية تنتظر من يأخذها إلى التفصيل.
وفي زوايا القيسارية، ينهمك خياطون في تقصير الأكمام وتضييق الجوانب، وسط زبائن يقيسون القطع أمام مرايا طويلة قبل حسم الشراء.
وبحسب جولة قامت بها “الشمال نيوز” بين عدد من محلات القيسارية، تتراوح أسعار الجلابيب الجاهزة بين 600 و1200 درهم، تبعا لنوعية الثوب وحجم العمل اليدوي في التشطيب.
وتبدأ أسعار “الجابدور” من 450 درهما وتصل إلى 800 درهم، فيما تباع “البلغة” بين 150 و300 درهم.
ويقول عبد السلام، وهو تاجر في السوق منذ أكثر من عشرين سنة: “زبون سوق الداخل يسأل أولا عن القماش والخياطة، ثم عن الثمن”.
وعلى بعد خطوات، كان الخياط مصطفى يقصر أكمام جلابة بنية اللون فوق طاولة ضيقة، قائلا: “الطلب الآن على الجاهز أكثر، لكن أغلب القطع تحتاج لمسة أخيرة. التعديل هنا بين 30 و50 درهما للقطعة”.
وعلى بعد نحو خمسة كيلومترات من المدينة العتيقة، يتبدل المشهد في سوق بئر الشعيري الشعبي في بني مكادة. تختفي الممرات الضيقة والواجهات الخشبية، وتحل محلها واجهات حديدية مفتوحة تتدلى منها الملابس التقليدية بكثافة، فيما توضع قطع أخرى فوق طاولات وعربات على الأرصفة. تتعالى أصوات الباعة في أكثر من اتجاه، ويتنقل الزبائن بسرعة بين محل وآخر، يتوقفون للحظات أمام قطعة، يسألون عن السعر، ثم يواصلون السير.
وفي بئر الشعيري، يبدو سؤال الثمن سابقا على أسئلة القماش والخياطة في عدد من المحلات التي شملتها الجولة. وتعرض أغلب المتاجر قطعا جاهزة أقل سعرا وأسرع تداولا، فيما قال باعة إن أسعار الجلابيب تتراوح بين 200 و400 درهم، ويبدأ سعر “الجابدور” من 150 درهما للقطعتين، بينما تعرض أحذية من الجلد الصناعي أو المختلط ابتداء من 80 درهما.
ويقول إلياس، وهو بائع في أحد المحلات الكبرى بالسوق: “الزبون هنا يقارن بين أكثر من محل قبل أن يشتري، والمساومة جزء من البيع”.
وعلى واجهات متقاربة، تتكرر الألوان نفسها والمقاسات نفسها تقريبا، فيما يكتفي بعض المشترين بتجربة سريعة فوق ملابسهم العادية أو بالنظر إلى المقاس المعلق على القطعة.
ويظهر الفرق بين السوقين منذ الخطوات الأولى للشراء. ففي قيسارية جبالة، تستغرق العملية وقتا أطول، مع تفحص أدق للقماش والخياطة ومرور شبه تلقائي على الخياط قبل الخروج بالقطعة.
ويقول كمال، وهو إطار بنكي كان يجرب جلابة داخل أحد المحلات: “أفضل أن أدفع أكثر مقابل ثوب جيد ومقاس مضبوط”.
أما في بئر الشعيري، فتبدو السرعة أوضح في حركة البيع، من سؤال الثمن إلى التقاط القطعة ومقارنتها بغيرها في محل مجاور. ويقول مراد، وهو عامل في قطاع البناء كان يتفقد قميصا أبيض: “أبحث عن ثمن يناسب ميزانيتي. الشكل مهم، لكن السعر أهم”.
كما يبدو حضور التعديل الفوري أقل في بئر الشعيري، ما يدفع بعض المشترين إلى الاكتفاء بالمقاس الجاهز أو أخذ القطعة لاحقا إلى خياط في الحي.
وبين قيسارية جبالة وبئر الشعيري، يتحرك الطلب على اللباس التقليدي الرجالي في طنجة بين زبون يبحث عن عناية أكبر بالتشطيب والمقاس، وآخر يضع السعر في المقدمة ويبحث عن قطعة جاهزة سريعة الاقتناء.

