الشمال نيوز
كلما اقتربت مواعيد الاستحقاقات الانتخابية في جهة طنجة تطوان الحسيمة، عادت الى الواجهة اسماء سياسية لا تتحرك في الميدان بخطاب التعبئة ووعود البرامج فحسب، بل تجر خلفها مسارات من النزاعات والملفات المفتوحة امام القضاء.
ولم يعد الصراع المحلي مقتصرا على استعراض القواعد الناخبة، بل تحول الى سباق استنزاف محتدم بين من يستطيع تحمل الكلفة السياسية لملف قضائي، ومن ينهار تحت عبئه قبل الوصول الى صناديق الاقتراع.
وتشكل جهة الشمال فضاء اختبار حقيقي لهذه الظاهرة، حيث يتداخل النفوذ المحلي القوي والشبكات الانتخابية الراسخة مع تنافس يبدأ مبكرا.
وفي هذا السياق الجغرافي والسياسي الذي يتسم برهانات مجالية ضخمة، تشتغل الملفات القضائية في الخلفية كعامل ارباك دائم للمشهد.
وتبرز هذه المفارقة بوضوح في معاقل حزب الاصالة والمعاصرة بتطوان، من خلال التحركات المبكرة لفاعلين يملكون نفوذا ترابيا صلبا، يتقدمهم محمد العربي احنين، البرلماني عن دائرة تطوان والرئيس السابق لجماعة ازلا.
ويقدم هذا الاخير باعتباره احد الاسماء الثقيلة انتخابيا في المجال القروي، ويحضر بقوة في التسخين الانتخابي داخل تنظيمه السياسي. غير ان محاولات الرجل لتثبيت موقعه تصطدم بواقع انه يواجه متاعب قضائية وادارية ترتبط بملفات التعمير واصدار رخص بناء انفرادية. إذ يتحول تدبير الشأن المحلي هنا الى فخ قانوني، حيث يجد هذا الفاعل نفسه يسعى الى حشد الانصار، فيما يجر خلفه عبء نزاعات معقدة امام القضاء الاداري.
الحالة ذاتها تنسحب على ابراهيم بنصبيح، رئيس مجلس اقليم تطوان، والذي يعد من الوجوه النافذة محليا داخل الحزب نفسه. ويرتبط اسمه هو الاخر بخلفيات قضائية وادارية تعود الى فترة تدبير جماعي سابق، وتتصل بنزاعات حول رخص وملفات مرتبطة بقطاع التعمير.
ويجسد هذا المسار صورة منتخب يمسك بنفوذ ترابي ومؤسساتي واسع، لكنه يتحرك داخل هامش تضغط عليه شبهات ومنازعات سابقة، مما يجعل كل خطوة سياسية محفوفة بمخاطر المتابعة.
على الضفة السياسية المقابلة، يطرح اسم محمد ادعمار، الرئيس السابق لجماعة تطوان، ضمن الوجوه التي يمكن ان تعود الى الواجهة الانتخابية.
الا ان هذه العودة المحتملة محاطة بعقبات، حيث تلاحقه دعاوى وملفات قضائية ترتبط، وفق المعطيات المتداولة، باستغلال وسائل الجماعة، اضافة الى ملف يتضمن اتهامات بالتزوير.
وتمثل هذه الحالة نموذجا للرغبة في استعادة الموقع داخل المشهد، رغم كلفة قضائية وسياسية لم تختف بمرور الوقت.
وتفرض قراءة هذا المشهد التمييز بصرامة بين من يطارده ملف قضائي، ومن اسقطه القضاء فعلا من الناحية القانونية. فقد وجد بعض المنتخبين في تطوان ومحيطها انفسهم امام اثار قضائية اكثر حسما، انتهت الى العزل من المنصب او التجريد من العضوية او فقدان الموقع الانتخابي بناء على احكام نهائية. في المقابل، تشير المعطيات الى ان الاسماء السالفة الذكر، لم يثبت وجود حكم نهائي يسقط اهليتها.
ويفسر هذا التمييز القانوني استمرار هذه القيادات في تصدر المشهد المحلي. غير ان غياب المانع القانوني لا يلغي الاثر السلبي، اذ يشكل الملف عبئا سياسيا اكثر من كونه مانعا قانونيا في الوقت الراهن.
وتتحول هذه الملفات المفتوحة الى عنصر حاسم في رسم خرائط التزكيات داخل الاحزاب السياسية، التي تجد نفسها امام امتحان عسير يختبر شعاراتها المعلنة.
وتواجه القيادات الحزبية المركزية والمحلية معادلة معقدة تضع الثقل الانتخابي والقدرة على حصد المقاعد في كفة، والكلفة الاخلاقية لترشيح شخص يرتبط اسمه بملفات امام القضاء في الكفة الاخرى.
وفي غياب الادانة القطعية، يتحول الملف القضائي الى اداة ضغط في الصراعات بين الاجنحة المحلية. تستخدم الاطراف المتنافسة هذه الملفات لتقليم اظافر الخصوم او لاضعاف فرصهم في نيل التزكية، لتنتقل المعركة الى داخل الاجهزة الحزبية.
ويضع هذا الوضع قدرة الحزب على الدفاع عن اسم مثير للجدل موضع تساؤل. تضطر الهيئات السياسية الى تبني موقف المدافع، مراهنة على بطء المساطر او على قوة الشبكات الانتخابية.
وتنقل هذه الوضعية الارتباك الى صفوف الناخبين، حيث يتدخل العامل القضائي لتشكيل الصورة الذهنية للمرشح، ويختلط النقاش حول البرامج بالحديث عن المتابعات.
ويدخل بعض هؤلاء المرشحين المعركة وهم لا يسقطون قانونا، لكنهم يواجهون الناخب مثقلين سياسيا واخلاقيا واعلاميا. حيث تصبح حملاتهم الانتخابية محاولات مضنية للدفاع عن السمعة، اكثر من كونها منصات لتسويق رؤى تدبيرية.
ويكشف هذا الواقع حدود خطاب تخليق الحياة السياسية، اذ يصعب على الناخب التمييز بين من تلاحقه دعاوى فقط، ومن صار سقوطه القانوني وشيكا.
ويتخذ تأثير هذه الملفات ابعادا متباينة بين المجالين الحضري والقروي. ففي الهوامش، غالبا ما تعتمد النخب على توفير خدمات مباشرة لتجاوز الاثر السلبي للمتابعات الادارية في قضايا التعمير. في المقابل، يظهر الناخب في المراكز الحضرية حساسية اكبر تجاه الاتهامات بالتزوير او استغلال الموارد العامة، مما يجعل تسويق مرشحين مثقلين بهذه القضايا اكثر تعقيدا وعرضة للمحاسبة العقابية.
وتبدو الانتخابات المقبلة في الشمال ابعد ما تكون عن مجرد معركة صناديق، لتتحول الى معركة سمعة ونجاة سياسية. فرغم ان بعض الاسماء ما زالت قادرة على الترشح بفضل غياب الاحكام النهائية، الا ان مجرد اقترانها بالقضاء يرفع كلفة حملاتها، يحرج احزابها، ويمنح خصومها ذخيرة جاهزة. فلم يعد الملف القضائي في شمال المغرب مجرد تفصيل جانبي في سيرة المرشح، بل صار عاملا يعيد رسم حدود التزكية، وموازين القوى داخل الاحزاب، وفرص الصعود او السقوط قبل يوم الاقتراع.

