يبدو أن التنقل في بعض شوارع طنجة لم يعد يحتاج فقط إلى رخصة سياقة، بل إلى حاسة سادسة، وقلب قوي، وتأمين شامل ضد البشر والحفر والكلاب والأبقار، وربما ضد المفاجآت التي لم تعتمدها الجماعة بعد بشكل رسمي.
آخر فصول هذا العبث الحضري جاء من شارع الجيش الملكي، حيث وجد مواطن نفسه في مواجهة بقرة قررت، بكل ثقة، أن تمارس حقها الكامل في العبور داخل المجال الحضري، دون إشارة ضوئية، ولا شرطي مرور، ولا حتى أدنى احترام لفكرة أن الشارع مخصص للسيارات لا للرعي الحر. النتيجة كانت حادثة سير، أضرار مادية، وملف جديد في المحكمة الإدارية، لأن المواطن في طنجة لم يعد يطالب بخدمة عمومية، بل صار يطالب فقط بتعويض بعد الكارثة.
الحكاية في ظاهرها مضحكة، لكنها في العمق تفضح مدينة تخلت عن الحد الأدنى من الانضباط في الفضاء العام. فحين تصير بقرة سببا في حادثة سير وسط شارع رئيسي، فالمشكل لا يكمن في الحيوان، بل في من يدبر المدينة بعقلية “خليها على الله”. البقرة هنا ليست سوى بلاغة تمشي على أربع، تقول إن الفوضى لم تعد استثناء، بل صارت جزءا من المشهد.
والأطرف أن القضية لا تبدو معزولة. فحسب المعطيات المتداولة، هناك مواطنون آخرون جروا الجماعة إلى القضاء بسبب هجمات الكلاب الضالة، وسقوط طفلة في بالوعة للصرف الصحي، وتعثر سيدة في حفرة إسمنتية غير محاطة بسياج. المعنى واضح. طنجة لا تعاني من حادث عرضي هنا أو هناك. طنجة تعيش وضعا كاملا عنوانه، اخرج من بيتك وجرّب حظك.
في مدن أخرى، تتحدث الجماعات عن السلامة الطرقية، وجودة الرصيف، وتأمين الفضاءات العمومية. أما هنا، فيبدو أن المواطن مطالب بأن يطور مهارات البقاء. تفادي كلب من اليسار، القفز فوق حفرة من اليمين، والانتباه إلى بالوعة مفتوحة تحت القدم، مع احتمال ظهور بقرة في أي لحظة لتكتمل الصورة الجمالية لمدينة تدعي الحداثة وتوزع الخطر بالمجان.
الأجمل في كل هذا أن المسؤولية تذوب دائما في الضباب. لا أحد يرى. لا أحد يسمع. لا أحد يشرح كيف تتحول الشوارع إلى ممرات مختلطة بين السير الحضري والفوضى الحيوانية والإهمال الهندسي. لكن الجميع يستيقظ فجأة عندما تصل الدعوى إلى المحكمة، وكأن القضاء صار هو المصلحة الجماعية الوحيدة التي تشتغل فعلا في هذا الملف.
حين يضطر مواطن إلى مقاضاة الجماعة لأن بقرة ظهرت في شارع عام، فنحن لا نتحدث عن نكتة. نحن نتحدث عن مدينة فقدت الإحساس بالإحراج. وحين تتكرر ملفات الكلاب والبالوعات والحفر، فالمشكل لم يعد في الوقائع، بل في التطبيع معها. صار الخطر جزءا من الديكور، وصار الحادث خبرا عاديا، وصارت السلامة ترفا لا يليق بكل الأحياء.
في طنجة، يبدو أن الفضاء العام لم يعد مجالا للتنقل، بل امتحانا يوميا في الصبر ورد الفعل والثقة في الأقدار. أما الجماعة، فتواصل على ما يبدو تدبير المدينة بمنطق بسيط، دع المواطن يسقط أولا، ثم نقرأ الملف لاحقا.

