الشمال نيوز
لا تزال رائحة الرطوبة الممزوجة بالطمي تفوح من أزقة حي “مولاي بوغالب” بمدينة القصر الكبير، لكن هدير الجرافات استُبدل اليوم بصرير الأقلام وحفيف الأوراق.
هنا، وبينما تحاول الشمس تجفيف ما تبقى من آثار الفيضانات الأخيرة، يصطف العشرات أمام مقر الدائرة الحضرية، لا لطلب المعونة الغذائية هذه المرة، بل لتدوين “خسائر العمر” في سجلات رسمية.
ويُمسك “محمد”، وهو تاجر ملابس في الخمسينيات من عمره، بملف بلاستيكي يحاول حمايته من أصابعه الملطخة بآثار التنظيف. يقول وعيناه تجولان في الأفق: “المياه لم تقتحم المحل فحسب، بل جرفت معها تعب سنوات. اليوم جئت لنسجل كل شيء، نريد أن نعود للعمل، نريد أن نرى مدينتنا تقف على قدميها مجدداً”.
محمد هو واحد من مئات المتضررين الذين استجابوا لنداء السلطات المحلية لبدء عملية إحصاء شاملة، هي الأولى من نوعها بهذا الحجم في المنطقة.
هندسة “التعويض الاستعجالي”
داخل مكاتب الإدارة التي تحولت إلى ما يشبه “غرفة عمليات” ميدانية، تبدو الصورة أكثر تنظيما. الموظفون، الذين جُنّدوا بالكامل لهذه المهمة، لا يكتفون بتدوين الأسماء، بل يغوصون في تفاصيل تقنية دقيقة.
وليست العملية مجرد إحصاء لعدد المنازل، بل هي “تشريح” للأضرار؛ من التصدعات التي أصابت الجدران الحاملة، وصولا إلى الأجهزة المنزلية والبضائع التي تلفت تحت وطأة الطين.
هذا الحراك الإداري هو الترجمة الميدانية للبرنامج الحكومي الاستعجالي الذي أُقرّ بتعليمات ملكية سامية. والهدف واضح: حصر القوائم الاسمية وتوصيف الحالة الإنشائية لكل مبنى بدقة “جراحية”.
وتدرك السلطات هنا أن أي خطأ في التوصيف قد يعني تأخرا في صرف التعويضات. لذا، يتم التركيز على شمولية الإحصاء لتشمل “المستوى الداخلي والخارجي”، في محاولة لامتصاص غضب الطبيعة بليونة الإجراءات الإدارية.
لجان الخبرة.. السباق نحو “الضوء الأخضر”
وخارج أسوار المكاتب، يسود تفاؤل حذر يشوبه الترقب. فالمرحلة الحالية هي مجرد تمهيد لما يصفه السكان بـ “ساعة الحقيقة”، وهي وصول اللجان التقنية المتخصصة.
هذه اللجان، التي ستضم مهندسين وخبراء في التعمير، ستكون مهمتها النزول إلى الأزقة الضيقة لإجراء المعاينات الميدانية النهائية التي ستحدد على أساسها قيمة “شيكات الإصلاح”.
ويقول أحد المهندسين المشرفين على العملية، فضل عدم ذكر اسمه: “نحن في سباق مع الزمن. المعايير التقنية صارمة لضمان وصول الدعم لمستحقيه، لكن التعليمات واضحة بضرورة التبسيط لتسريع وتيرة الترميم”.
ولا يتوقف الرهان الحقيقي عند جدران المنازل، بل يمتد إلى التأهيل اللوجستيكي والعمراني للمدينة ككل، لجعلها أكثر صموداً أمام أزمات مناخية مستقبلية باتت تتكرر بحدة أكبر.
وبالنسبة لسكان القصر الكبير، هذه الدفاتر التي تُملأ اليوم بالبيانات هي أكثر من مجرد إجراءات روتينية؛ إنها “جواز السفر” للعودة إلى الحياة الطبيعية.
فخلف كل استمارة تُعبأ، هناك قصة أسرة تنتظر إصلاح سقفها، وتاجر يحلم بفتح أبواب محله مجدداً، وسط آمال عريضة بأن تمحو سرعة التعويضات مرارة ما خلفته السيول.

