استقبلت مدن شمال المغرب، الخميس، أول أيام شهر رمضان وسط مفارقة اقتصادية حادة؛ فبينما تشير آخر البيانات الرسمية المتوفرة إلى استقرار في الأسعار، يواجه المستهلك واقعا ميدانيا مغايرا فرضته تداعيات الاضطرابات الجوية الأخيرة التي سبقت الشهر الفضيل بأيام قليلة.
ويجد سكان جهة طنجة وتطوان والحسيمة أنفسهم أمام “فجوة زمنية” بين لغة الأرقام ولغة السوق. فالبيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والتي تعود لفترة المسح السابقة للاضطرابات المناخية، كانت قد رصدت منحى تنازلياً للتضخم، حيث سجلت طنجة انخفاضا شهريا بـ 0.3% واستقرارا سنويا عند 0.8%، فيما حققت الحسيمة انخفاضاً شهريا بـ 0.4%.
غير أن هذه الأرقام، التي عكست واقعا اتسم بالاستقرار الجوي، لم تعد قادرة على تفسير الضغوط السعرية الحالية. فقد أدت التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها سهول اللوكوس والغرب – المزوّد الرئيسي للمنطقة – إلى وضعية “تشبع مائي” في التربة، مما أبطأ عمليات الجني والشحن في اللحظات الأخيرة التي سبقت حلول رمضان.
الطبيعة تباغت الحسابات الإحصائية
وعلى عكس ما رصدته السجلات الإحصائية السابقة، يواجه الفاعلون الاقتصاديون في أسواق الجملة إكراهات تقنية في المنبع. فصعوبة ولوج الآليات إلى الحقول الموحلة أدت إلى تراجع وتيرة تدفق الخضروات الأساسية، مما خلق ضغطاً فورياً على العرض في أول أيام الصيام.
هذا المتغير الميداني، الذي طرأ بعد إنجاز المسح الإحصائي الرسمي الأخير، جعل الأسعار في الأسواق تتحرك بمعزل عن التوقعات المطمئنة التي بنيت على معطيات ما قبل العواصف.
وفي مدينة تطوان، يتجلى هذا التباين بوضوح أكبر؛ فالمدينة التي دخلت السنة بمعدل تضخم سنوي بلغ 1.0% وفق الأرقام الرسمية، تواجه اليوم كلفة إضافية فرضتها رداءة المسالك القروية في المناطق المجاورة.
وتسبب تعثر انسيابية سلاسل التوريد في رفع أسعار المنتجات الطرية، متجاوزة السقف الذي كانت تشير إليه البيانات الصادرة قبل أسابيع، مما يضع القدرة الشرائية للأسر أمام “ضريبة مناخية” لم تتوقعها المؤشرات.
أما في الحسيمة، التي كانت توصف بـ “الاستثناء السعري” (0.5% تضخم سنوي)، فقد واجهت في الساعات الماضية نقصاً في الإمدادات السمكية نتيجة اضطراب حالة البحر المتوسط.
هذا التوقف الاضطراري لأسطول الصيد البحري، وهو معطى ميداني آني، أدى إلى قفزة في الأثمان لا تظهر في التقارير الإحصائية المتوفرة حالياً، مما يؤكد أن الواقع الميداني لليوم الخميس بات يسبق التحيين الرقمي الرسمي.
سوق يبحث عن توازنه
وفي ظل هذا الفراغ المعلوماتي الناتج عن تسارع الأحداث المناخية، يشتغل التجار بناء على كلفة “اللحظة الراهنة”. فالفارق السعري الذي يلاحظه المستهلك في طنجة وتطوان يغطي في الواقع كلفة الجني اليدوي المضني وكلفة النقل عبر مسالك متضررة، وهي أعباء لوجستية لم تكن قائمة حينما سجلت المندوبية السامية للتخطيط انخفاض الأسعار في تقاريرها السابقة.
ويشير محللون إلى أن استقرار المواد الغذائية المصنعة، المنسجم مع البيانات الرسمية، يظل النقطة المضيئة الوحيدة في قفة الصائم، بينما تظل المواد الطرية “أسيرة” حالة التربة في أحواض الإنتاج.
ويسود ترقب حذر لما ستسفر عنه الأيام القادمة، مع تطلع المستهلكين لعودة الدفء والجفاف للحقول، لردم الهوة بين السعر الواقعي المرتفع والسعر الرسمي الذي سجلته التقارير قبل أن تمطر السماء.
وتبقى السلطات المحلية في مدن الشمال أمام تحدي مراقبة أسعار تفتقد لبوصلة إحصائية آنية تواكب تقلبات الطقس.
فالرهان الحالي يكمن في مدى قدرة سلاسل التوزيع على استعادة وتيرتها العادية بمجرد انحسار آثار تشبع التربة، لتعود الأسعار لتتطابق مجددا مع الأرقام الرسمية التي بشرت بموسم استهلاكي هادئ قبل أن تتدخل الطبيعة وتغير قواعد اللعبة.

