لماذا ترتفع الأسعار بسرعة ولا تنخفض؟ أسرار تأخر انعكاس تراجع النفط في المغرب

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى التراجع الأخير في أسعار النفط على المستوى الدولي، يبرز تساؤل ملح داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب: لماذا لا ينعكس هذا الانخفاض بنفس السرعة على الأسعار في السوق الوطنية، كما يحدث عند الارتفاع؟

ورغم ما يحمله انخفاض أسعار “الذهب الأسود” من مؤشرات إيجابية، فإن انتقال أثره إلى القدرة الشرائية للمواطنين لا يتم بشكل تلقائي أو فوري، بل تحكمه مجموعة من العوامل المركبة التي تتجاوز منطق العرض والطلب البسيط.

أول هذه العوامل يرتبط بما يُعرف بـ”الفجوة الزمنية”، حيث تعتمد شركات التوزيع على مخزونات تم اقتناؤها بأسعار سابقة، ما يجعلها غير معنية مباشرة بالتراجع الحالي في الأسعار الدولية. هذا المعطى يفسر جزئياً التأخر في تعديل الأسعار بمحطات الوقود، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول مدى شفافية آليات التسعير المعتمدة.

إلى جانب ذلك، لا يشكل النفط سوى عنصر واحد ضمن سلسلة طويلة من التكاليف التي تحدد السعر النهائي للمنتجات والخدمات. فتكاليف النقل الداخلي، وهوامش الوسطاء، والضرائب المفروضة، كلها مكونات قد تحد من تأثير أي انخفاض في أسعار الطاقة. وعليه، فإن الرهان على تراجع سريع في أسعار المواد الاستهلاكية، خاصة الغذائية، قد يكون مبالغاً فيه في بعض الحالات.

وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار الخضر واللحوم، يرى عدد من المتتبعين أن ربطها الحصري بكلفة الوقود يتجاهل عوامل أكثر تأثيراً، من قبيل توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف في الأسواق العالمية، واختلالات العرض والطلب داخل السوق الوطنية. وهي عناصر تجعل من التضخم الغذائي ظاهرة أكثر تعقيداً من مجرد انعكاس مباشر لأسعار الطاقة.

من جهة أخرى، يعيد هذا الوضع النقاش حول مدى فعالية نموذج تحرير أسعار المحروقات المعتمد في المغرب. فبينما يُفترض أن يضمن هذا النظام مرونة في التفاعل مع التحولات الدولية، يلاحظ متتبعون أن وتيرة تطبيق الزيادات تظل أسرع من وتيرة تخفيض الأسعار، ما يغذي الشعور بعدم التوازن لدى المستهلك.

غير أن الإشكال، بحسب عدد من الخبراء، لا يكمن بالضرورة في مبدأ التحرير في حد ذاته، بل في ضعف آليات الضبط والمراقبة، وغياب مستوى كافٍ من الشفافية والمنافسة الفعلية داخل السوق. وهو ما يستدعي تعزيز دور مؤسسات الحكامة الاقتصادية، وتفعيل أدوات الرقابة لضمان انتقال أكثر عدالة لتقلبات الأسعار.

في المحصلة، يكشف بطء انعكاس تراجع أسعار النفط على السوق المغربي عن تعقيد بنيوي يتجاوز التغيرات الظرفية في الأسواق الدولية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تتبع الأسعار العالمية، بل في إصلاح منظومة التسعير داخلياً، بما يضمن توازناً أفضل بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين وحقوق المستهلكين، ويعزز الثقة في دينامية السوق.

لا توجد تعليقات