الشمال نيوز من طنجة
بين المراكز التجارية التي تتمدد على محاور التوسع العمراني، ومستودعات التوزيع التي تتكاثر على هامش الحركية المينائية والطرقية، لا تبدو التجارة في طنجة مجرد قطاع حاضر بقوة، بل تكاد تظهر كخيار الاستثمار المحلي الأكثر تلقائية.
ويحدث ذلك في مدينة راكمت، في المقابل، أحد أكثر التحولات الصناعية كثافة في المغرب. ومن هنا تنشأ المفارقة: طنجة التي تزداد وزنا في الصناعة والتصدير، ما زالت تمنح أفضلية واضحة، في مبادراتها الاستثمارية المحلية، للأنشطة التجارية.
ولا تحيل هذه المفارقة إلى تعثر صناعي بقدر ما تحيل إلى طريقة تموضع الرساميل المحلية داخل اقتصاد المدينة. فالصناعة في طنجة قائمة ومتمددة، لكنها تظل، بالنسبة إلى المستثمر الصغير أو المتوسط، مسارا أثقل كلفة وأطول انتظارا.
أما التجارة، فتدخل إلى السوق بخفة أكبر، وتتحرك في دورة أقصر، وتحتاج إلى قدرة أقل على تحمل التجميد الطويل لرأس المال. ولهذا تبدو، في نظر كثير من المستثمرين، أقرب إلى منطق المدينة اليومي حتى وهي تعيش على وقع التحول الصناعي.
تفوق عددي ودينامية تتغذى من الصناعة
وتوضح آخر صورة بنيوية منشورة عن النسيج الاقتصادي في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة حجم هذا الاختلال. فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تضم الجهة 145.036 مؤسسة، منها 124.653 مؤسسة ذات طابع ربحي، فيما تستحوذ التجارة وحدها على 63.208 مؤسسات، مقابل 16.618 مؤسسة صناعية فقط.
ولا تعني هذه الأرقام أن الصناعة هامشية، بل تعني أن الكتلة الأعرض من المبادرة الاقتصادية الجارية ما تزال متمركزة في أنشطة البيع والتوزيع والوساطة والخدمات المرتبطة بها.
لكن الجديد في طنجة هو أن هذا الثقل التجاري لم يعد منفصلا عن الصناعة، بل صار يتغذى منها. فميناء طنجة المتوسط، الذي أعلن في حصيلته لسنة 2025 معالجة 11.106.164 حاوية مكافئة، ومناولة 535.203 شاحنة للنقل الدولي، وعبور 3.047.387 مسافرا في حركة الترانزيت البحري، لا ينتج فقط رقما ملاحيا كبيرا، بل يخلق أيضا اقتصادا محليا واسعا حول التخزين والتوزيع والتموين والخدمات والوساطة.
وهنا بالضبط تجد التجارة إحدى أقوى نقاطها: إنها تستفيد من الدينامية الصناعية والمينائية من دون أن تتحمل دائما كلفتها الثقيلة.
بهذا المعنى، لا تنافس التجارة الصناعة في طنجة بقدر ما تتموضع في حلقاتها الأقرب إلى العائد. فكل توسع في المصنع أو في الميناء أو في مناطق الأنشطة يولد، على الأرض، طلبا موازيا على النقل المحلي، والتوزيع، والخدمات التجارية، والتجهيزات الصغيرة، وتجارة القرب.
ولذلك تبدو التجارة، بالنسبة إلى جزء من الرساميل المحلية، أقل ارتباطا بالمخاطرة الطويلة، وأكثر اتصالا بالحركة اليومية الملموسة التي تفرزها المنظومة الصناعية نفسها.
وتمنح معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية لهذه القراءة بعدا إضافيا. ففي الربع الأول من 2025، سجلت إحداثات المقاولات في المغرب نموا بـ 16 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، فيما بلغ عدد المقاولات الفردية المحدثة 8.116.
كما أكد المكتب في حصيلته السنوية لسنة 2025 أن إحداث الأشخاص المعنويين تجاوز 78 ألف مقاولة بارتفاع 15,9 في المئة. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام فقط في حجمها، بل في ما توحي به من استمرار جاذبية الصيغ الأخف والأسرع من حيث الإطلاق والتموقع القانوني، وهي بيئة تميل، عمليا، إلى خدمة الأنشطة التجارية والخدماتية أكثر مما تخدم الاستثمار الصناعي الثقيل.
التمويل وكلفة الانتظار
ويعزز التمويل هذه الأفضلية بدل أن يحد منها. فبحسب بنك المغرب، بلغ متوسط سعر الفائدة على القروض الممنوحة للمقاولات خلال الربع الرابع من 2025 ما نسبته 4,72 في المئة، لكنه استقر عند 4,57 في المئة بالنسبة إلى تسهيلات الخزينة، مقابل 4,95 في المئة لقروض التجهيز.
كما بلغ المعدل المطبق على المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة 5,22 في المئة. والفارق هنا لا يختزل في بضعة أجزاء مئوية، بل يعكس فرقاً في طبيعة الرهان نفسه: تمويل قصير الأجل يدور مع المخزون والسلعة، أو تمويل أطول يرتبط بأصل ثابت واسترجاع أبطأ للكلفة. وفي مثل هذا السياق، تميل التجارة إلى الظهور كخيار أكثر قابلية للتحكم.
هكذا، تبدو هيمنة التجارة في طنجة أقل ارتباطا بصورة المدينة القديمة كتقاطع للتجار، وأكثر ارتباطا بوظيفتها الجديدة نفسها. فطنجة الصناعية لم تلغ طنجة التجارية، بل أعادت إنتاجها على نطاق أوسع وداخل شروط مختلفة.
وما تغير ليس اتجاه الرساميل المحلية فقط، بل البيئة التي صارت تجعل من التجارة الشكل الأسرع لالتقاط ثمار التحول الصناعي، من دون الاضطرار دائما إلى خوض كلفته الكاملة.
وفي المحصلة، لا تقول أرقام طنجة إن الصناعة فشلت في فرض نفسها، بل تقول شيئا أدق: إن الصناعة نجحت إلى حد جعل التجارة تعيش عليها.
وفي مدينة تتوسع فيها المنصة المينائية، ويتكثف فيها النسيج الحضري، وتتسارع فيها حركة المقاولات، يظل الاستثمار التجاري، بالنسبة إلى عدد واسع من الفاعلين المحليين، الطريق الأقصر إلى السوق، والأوضح مردودية، والأقل كلفة في الانتظار.

