نقاش بطنجة يوسع قراءة تصميم التهيئة ليشمل العدالة في استعمال الفضاء الحضري

دفعت مائدة مستديرة السبت، النقاش حول مشروع تصميم التهيئة لمقاطعة طنجة المدينة خارج حدوده التقنية الصرفة، عبر مساءلة الطريقة التي يُنتج بها المجال الحضري، ومدى استجابته الفعلية لاحتياجات النساء وباقي الفئات التي تواجه صعوبات متفاوتة في استعمال المدينة والولوج إلى خدماتها.

ونُظم هذا اللقاء، الذي حمل عنوان “تصميم التهيئة لمقاطعة طنجة المدينة: قراءة من زاوية النوع الاجتماعي”، من طرف هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة طنجة، في سياق مرحلة إبداء الملاحظات بشأن المشروع، وضمن مقاربة تروم إغناء النقاش العمومي حول وثيقة يفترض أن تؤطر ملامح التحول العمراني في قلب طنجة، ليس فقط من حيث البنيات والتجهيزات، بل أيضا من حيث العدالة في توزيع الفضاءات والخدمات وفرص الاستفادة منها.

وقالت سعاد الشنتوف الرحموني، منسقة هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، في تقديمها وتأطيرها للمائدة المستديرة، إن الرجال والنساء لا يستعملون المدينة بالطريقة نفسها، معتبرة أن الفضاءات العمومية ليست محايدة كما قد يُفترض في المقاربات التقنية التقليدية.

وأضافت أن إدماج مقاربة النوع في التخطيط الحضري لا يعني إلحاق بعد اجتماعي ثانوي بالوثيقة، بل يقتضي إعادة التفكير في المدينة نفسها باعتبارها مجالا ينبغي أن يكون أكثر عدلا وإنصافا.

واعتبرت الشنتوف أن تصميم التهيئة لا يمكن التعامل معه بوصفه وثيقة تقنية فقط، لأنه يحدد، في العمق، ملامح المدينة التي ستتشكل مستقبلا، وما إذا كانت ستضمن استفادة متوازنة للنساء والرجال من الفضاء الحضري، أم ستعيد إنتاج اختلالات قائمة بصيغ جديدة. متسائلة في هذا السياق حول كيفية الاستمرار في بناء المدينة مع بقاء أشكال من الإقصاء تطال، عمليا، نصف المجتمع.

ومن زاوية أكثر ارتباطا ببنية القرار التعميري، شدد عبد اللطيف البريني، الخبير في مجال التعمير وإعداد التراب الوطني، على ضرورة التمييز بين التخطيط الحضري والتخطيط الاقتصادي، مبرزا أن تصميم التهيئة ينبغي أن يكتسي بعدا سياسيا واضحا، وألا يظل محصورا في منطق يتعامل مع المدينة كأشكال تقنية أو وظائف منفصلة عن رؤية شاملة.

وسجل البريني، في هذا الإطار، غياب أي لجنة انعقدت تحت رئاسة رئيس الجماعة لتقييم التوجهات المرتبطة بهذا الورش، معتبرا أن طغيان التدبير اليومي يتم، في حالات كثيرة، على حساب تصور حضري عام قادر على استيعاب التحولات المتسارعة التي تعرفها طنجة.

كما أشار إلى ما وصفه بالاعتماد المحدود على المتخصصين، وإلى ثقل الوصاية الذي تضاعف، بحسبه، عبر دوريات وزارة الداخلية، بما يزيد من تعقيد هامش المبادرة المحلية في تدبير القضايا الحضرية الكبرى.

من جهتها، ربطت شمس الضحى البوراقي، مستشارة في التواصل الثقافي ومقاربة النوع، بين النقاش العمراني وإشكالية الاستعمال اليومي للمدينة، معتبرة أن التخطيط الحضري لا يكون دامجا ما لم يدمج أسئلة الأمان والإنارة والتنقل والولوجية ضمن صلب التصور، لا باعتبارها تفاصيل لاحقة. واعتبرت أن الإقصاء في الفضاء الحضري لا ينتج فقط عن غياب التجهيز، بل أيضا عن غياب الإحساس بالأمن النفسي، خاصة بالنسبة إلى النساء.

وأضافت البوراقي أن المدينة لا تُعاش بالطريقة نفسها من طرف مختلف الفئات، وأن الشارع غير المضاءة جنباته، أو الأرصفة غير الملائمة، أو مسارات التنقل التي لا تراعي متطلبات السلامة، تتحول كلها إلى عناصر تحد من الاستعمال المنصف للفضاء العمومي، حتى وإن بدت من منظور تقني محض تفاصيل ثانوية.

أما نسرين بوخزو، أستاذة التعليم العالي، فركّزت على الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتفعيل مقاربة النوع الاجتماعي في التخطيط الحضري، معتبرة أن الإطار الدستوري والمرجعي يتيح من حيث المبدأ أرضية لهذا الإدماج، لكن التحدي يظل في مستوى التفعيل والتنزيل.

وأكدت أن المقاربة التشاركية تبقى عنصرا أساسيا في هذا المسار، لأن إدماج النوع لا يتحقق فقط عبر التنصيص المبدئي، بل أيضا عبر إشراك فعلي للمعنيين بالسياسات الحضرية في النقاش والتقييم والاقتراح.

وفي المحور المتعلق بالتجارب المقارنة، أبرزت مهدية الريسوني، أستاذة التعليم العالي، أن عددا من التجارب الدولية أبان عن محدودية التخطيط الحضري حين لا يدمج مقاربة النوع الاجتماعي بصورة فعلية.

واعتبرت أن الحديث عن مدينة دامجة لا يستقيم من دون الالتفات إلى الكيفية التي تتحرك بها النساء، وإلى اختلاف حاجياتهن في التنقل والولوج إلى الخدمات واستعمال المرافق العمومية.

وأشارت الريسوني إلى أن تحقيق تنمية مستدامة يظل رهينا بقدرة السياسات الحضرية على استحضار هذه التفاوتات في الاستعمال وفي الإحساس بالأمان والراحة داخل المجال الحضري، مؤكدة أن المقاربة الدامجة لا تنحصر في إضافة مفاهيم جديدة إلى الوثائق، بل تستلزم إعادة فحص أولويات التخطيط نفسه.

من جانبها، اعتبرت سارة الصمدي، الفاعلة في مجال الإدماج الاجتماعي، أن للهيئات الاستشارية والمجتمع المدني دورا في مواكبة وتتبع مدى إدماج مقاربة النوع في السياسات الحضرية المحلية، مبرزة أن النقاش حول تصميم التهيئة لا ينبغي أن يظل شأنا تقنيا مغلقا، بل يفترض أن يظل مفتوحا أمام مساهمة الفاعلين المحليين، بالنظر إلى أثر هذه الوثيقة على الحياة اليومية للسكان.

ويأتي هذا النقاش، وفق الأرضية المؤطرة للقاء، في سياق دينامية حضرية متسارعة تعرفها طنجة، وما تفرزه من تحديات مرتبطة بتنظيم المجال الحضري وضمان استفادة عادلة ومتوازنة من الفضاءات العمومية والخدمات الحضرية.

كما يندرج ضمن توجه يرمي إلى تجميع الملاحظات والمقترحات المعبر عنها خلال المائدة المستديرة، تمهيدا لبلورتها في مذكرة اقتراحية موجهة إلى جماعة طنجة، في أفق الإسهام في تجويد مشروع تصميم التهيئة.

واكتسى اللقاء بعدا رمزيا إضافيا لكونه انعقد عشية اليوم الدولي لحقوق النساء، بما أضفى على النقاش بعدا يتجاوز مناسبة ظرفية إلى مساءلة أوسع لموقع النساء داخل السياسات الترابية والحضرية، ومدى قدرة أدوات التخطيط على الاستجابة لحاجياتهن على قدم المساواة مع باقي فئات المجتمع.

وخلصت المداخلات، في مجملها، إلى أن الرهان لم يعد يقتصر على إعداد وثيقة تضبط التوسع العمراني واستعمالات الأرض، بل بات يتعلق أيضا بالسؤال حول أي مدينة تريد طنجة أن تبنيها: مدينة تُدار بمنطق تقني صرف، أم مدينة دامجة تعترف بأن استعمال الفضاء ليس واحدا، وأن العدالة الحضرية تبدأ من إدراك هذا التفاوت والعمل على تصحيحه داخل وثائق التهيئة نفسها.

لا توجد تعليقات