الشمال نيوز
تحولت ملاعب “البادل” التي تتكاثر بوتيرة متسارعة في طنجة، من مجرد فضاءات لممارسة رياضة صاعدة، إلى بؤرة توتر اجتماعي وقانوني، كاشفة عن أزمة صامتة بين منطق الاستثمار المتنامي وحق الساكنة في الهدوء، وسط تساؤلات جدية حول آليات استغلال العقار ووظيفة الفضاء العمومي في مدينة تشهد ضغطا عمرانيا كثيفا.
وتواجه هذه المشاريع، سواء كانت مبادرات استثمارية خاصة أو برامج عمومية للقرب، موجة اعتراضات متصاعدة في أحياء راقية وتاريخية مثل “بوبانة” و”مرشان”، مما يعكس خللا في التخطيط الحضري حيث يرى السكان أن حياتهم اليومية باتت محاصرة بضجيج المضارب والأضواء الكاشفة، في غياب إطار تشاركي واضح يسبق الترخيص.
وفي حي “بوبانة” الهادئ، تفجر الخلاف حول مشروع خاص شيد داخل تجزئة سكنية، فوق قطعة أرضية يؤكد السكان أنها كانت مخصصة أصلا للمرافق المشتركة والمساحات الخضراء.
وتتجاوز القضية هنا حدود التراخيص الإدارية لتلامس جوهر “التعاقد السكني”؛ إذ يعتبر المتضررون أن تغيير وظيفة وعاء عقاري داخل تجزئة مغلقة دون استشارة الملاك يشكل ضربا لدفتر التحملات الذي بيعت العقارات على أساسه، مخلا بذلك بالتوازن العمراني للمنطقة، وفاتحا الباب أمام تحويل الأحياء السكنية المصممة للسكينة إلى جيوب تجارية صاخبة.
ويبقى الوضع القانوني للمشروع، في ظل غياب وثائق معلنة حول مطابقة الرخصة لتصميم التهيئة، في منطقة رمادية تغذي شكوك الساكنة وتزيد من حدة الاحتقان.
وعلى الضفة الأخرى في منطقة “مرشان” ذات الحمولة التاريخية، يتخذ النزاع طابعا مختلفا رغم تشابه النتائج. فالمشروع الذي يندرج ضمن برنامج عمومي لتهيئة ملاعب القرب، اختار موقعا في فضاء مفتوح يعد متنفسا يوميا للسكان.
ورغم الطابع “الخدماتي” للمشروع، إلا أن موقعه داخل مساحة خضراء نادرة في نسيج عمراني عتيق، أثار حفيظة المهتمين بتراث المدينة وهويتها، طارحا تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت الجهات الوصية قد أجرت دراسات للأثر البيئي والاجتماعي قبل تثبيت الحواجز الإسمنتية والحديدية، وهل تم النظر في بدائل أقل حساسية تراعي خصوصية الحي الذي يمزج بين السكن والذاكرة التاريخية.
ويكشف هذا التوتر عن تحديات تقنية ولوجستية تفرضها طبيعة رياضة “البادل” نفسها؛ فهذه الملاعب تتطلب مواصفات خاصة تشمل إحاطتها بحواجز مرتفعة، وتجهيزها بإنارة قوية تسمح باللعب ليلا، مما يولد حركة دؤوبة للممارسين والسيارات وضجيجا لا ينقطع، وهي خصائص تتعارض بشكل مباشر مع طبيعة الأحياء السكنية التي صممت لتوفير الهدوء.
ومن الناحية التحليلية، يبرز ملفا بوبانة ومرشان فجوة تشريعية واضحة، حيث يغيب إطار قانوني دقيق يضبط نوعية الأنشطة المسموح بإقامتها وسط التجمعات السكنية أو على حساب المساحات الخضراء.
وفي انتظار الحسم الرسمي في قانونية هذه المشاريع، تظل “حمى البادل” في طنجة مؤشرا على حاجة المدينة الماسة إلى بنية رياضية حديثة، لكنها في الوقت نفسه جرس إنذار حول ضرورة بلورة رؤية شمولية تدمج الأنشطة الجديدة في منظومة التهيئة، دون المساس بالسلم الاجتماعي وتوازن الأحياء.

