يعيد مشروع تصميم تهيئة مقاطعة “طنجة المدينة”، المعروض حاليا على مسطرة البحث العلني إلى غاية 27 مارس الجاري، فتح النقاش حول الكيفية التي يفترض أن تواصل بها عاصمة الشمال المغربي نموها العمراني، في وقت لم تعد فيه المدينة تواجه فقط ضغط التوسع العقاري، بل أيضا كلفة اختلالات السير والجولان وتنامي الحاجة إلى حماية رصيدها البيئي داخل المجال الحضري ومحيطه.
وفتحت جماعة طنجة هذه المرحلة الاستشارية لتمكين العموم والمهنيين والفاعلين المعنيين من الاطلاع على الوثيقة وتسجيل الملاحظات والتعرضات، في مسار يأتي بعد سنوات من الترقب رافقت تدبير الرخص وغياب وثيقة محينة قادرة على ضبط التوسع داخل واحدة من أسرع المدن المغربية نموا.
ولا يقدم المشروع نفسه كوثيقة تقنية محضة تنظم قواعد البناء فقط، بل كأداة لإعادة ترتيب الأولويات داخل مدينة باتت مطالبة بالتوفيق بين استقطاب الاستثمار وضبط الكثافات وتحسين جودة العيش.
فالتوجهات الجديدة الواردة في الخرائط والمقتضيات التنظيمية تعكس سعيا إلى وضع حدود أوضح لاستعمالات الأرض، وربط أي توسع جديد بقدرة المجال على استيعابه من حيث التجهيزات والبنيات التحتية والانسجام الوظيفي.
وفي هذا السياق، برز النقاش داخل الأوساط المهنية والعقارية مباشرة بعد نشر مضامين المشروع، خصوصا مع إعادة تصنيف أجزاء من العقارات نحو مناطق خضراء أو مجالات ارتفاق أو أوعية مخصصة للمرافق العمومية، بما يعنيه ذلك من تغيير في شروط التثمين العقاري وفي الكثافات الممكنة داخل بعض المواقع التي كانت تعد ذات جاذبية استثمارية مرتفعة.
البيئة تدخل صلب معادلة التعمير
من أبرز ما يلفت في المشروع أن البعد البيئي لم يعد يرد فيه باعتباره عنصرا تكميليا، بل كجزء من منطق التهيئة نفسه. فالمخطط يتضمن مقتضيات حمائية تخص المجالات المحاذية للواجهة البحرية والمناطق الغابوية والمجالات الرطبة، مع فرض قيود على قطع الأشجار أو إزالة الغطاء النباتي إلا في حالات استثنائية مؤطرة، إلى جانب اشتراط التعويض التشجيري في مواقع بديلة.
ويعكس هذا التوجه تحولا في طريقة النظر إلى المجال الحضري داخل طنجة، حيث لم تعد الأرض تقاس فقط بقدرتها على احتضان البناء، بل أيضا بوظيفتها في الحفاظ على التوازنات المنظرية والإيكولوجية لمدينة تستمد جزءا من جاذبيتها من موقعها البحري ومن امتدادها الطبيعي. كما ينسجم هذا الخيار مع توجه يرمي إلى إدماج مساحات خضراء داخل المشاريع الجديدة، بما يجعلها جزءا من البنية الحضرية لا مجرد إضافة هامشية.
ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن بعض الأوعية العقارية التي كان يعول عليها في تطوير مشاريع سكنية أو سياحية أو خدماتية ستخضع مستقبلا لمحددات أكثر دقة، سواء من حيث نوع الاستعمال أو من حيث شروط الإدماج البيئي. وهو ما يفسر الاهتمام الذي يحظى به المشروع داخل الوسط المهني، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا النوع من التنطيق من إعادة ترتيب أولويات الاستثمار داخل عدد من القطاعات والمواقع.
ولا ينفصل هذا التشدد البيئي عن واقع أوسع تعيشه طنجة، يتمثل في تسارع النمو العمراني تحت ضغط الجاذبية الاقتصادية والصناعية واللوجستية التي تعرفها المدينة. ففي مثل هذا السياق، يصبح الحفاظ على المجالات الطبيعية والفراغات الخضراء جزءا من معادلة الاستدامة الحضرية، لا سيما في مدينة تواجه توسعا متواصلا وتحتاج إلى الحفاظ على قدر من التوازن بين الكثافة المبنية وجودة الفضاء العام.
السير والجولان من أزمة يومية إلى أولوية تخطيطية
إذا كان الجانب البيئي يشكل أحد رهانات المشروع، فإن معالجة اختلالات السير والجولان تبدو بدورها من بين الملفات المركزية التي تسعى الوثيقة إلى مواكبتها. فقد أصبحت حركة التنقل داخل طنجة، خصوصا في المحاور الرابطة بين الأحياء الصاعدة والمركز، من أكثر مظاهر الضغط الحضري بروزا، في ظل توسع عمراني سريع لم تواكبه دائما الوتيرة نفسها في تأهيل الشبكة الطرقية وفي توزيع الوظائف الحضرية بشكل متوازن.
ويقترح المشروع في هذا الباب هيكلة هرمية لشبكة المواصلات داخل نطاق المقاطعة، ترتكز على تحسين انسيابية السير من خلال توسيع بعض المسارات الطرقية الرئيسية، وإحداث محاور ربط جديدة لتسهيل اندماج الأحياء الناشئة داخل النسيج الحضري العام. ويعني ذلك أن معالجة الازدحام لم تعد تقدم باعتبارها مجرد تدخل تقني ظرفي، بل باعتبارها جزءا من تصور أشمل لإعادة تنظيم المدينة.
ويوازي هذا التوجه خيار آخر يقوم على توزيع الوظائف الحضرية عبر إرساء مراكز ومراكز فرعية داخل المجال الترابي للمقاطعة، بما يفترض أن يخفف الضغط عن النواة التقليدية لوسط المدينة، ويحد من تركز الخدمات والأنشطة في نقاط بعينها. فجزء من أزمة التنقل في طنجة يرتبط أيضا بتمركز النشاط الاقتصادي والخدماتي والإداري في محاور محددة، بما يفرض على أعداد كبيرة من السكان تنقلات يومية متكررة نحو الوجهات نفسها.
كما يفرض المشروع على عدد من المشاريع العقارية والسياحية الجديدة إدماج عناصر وظيفية داخل تصاميمها، من بينها مواقف سيارات تحت أرضية، ومساحات داخلية منظمة، وساحات مصغرة، وهي مقتضيات تستهدف الحد من نقل أعباء الازدحام إلى الفضاء العام. فالمشكل لا يتعلق فقط بعدد العربات، بل أيضا بطريقة تصميم المشاريع الجديدة ومدى استيعابها للطلب الذي تولده على الوقوف والتنقل والخدمات المجاورة.
بين وضوح القواعد وجاذبية الاستثمار
في المقابل، يقدم المشروع للفاعلين الاقتصاديين ما يعتبره كثيرون عنصرا أساسيا في أي سوق عقارية مستقرة، وهو وضوح القواعد. فالوثيقة تحدد استعمالات الأراضي وعلو البنايات وحقوق الارتفاق وشروط البناء، بشكل يفترض أن يقلص من هوامش التأويل التي ظلت، لسنوات، إحدى أبرز الشكاوى المتداولة في الوسط العقاري والاستثماري.
ويستند هذا المنطق إلى مقتضيات قانون التعمير، الذي يربط الموافقة على الرخص بمدى توفر التجهيزات الأساسية في محيط المشاريع، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية وشبكات التطهير وغيرها من العناصر التي تجعل التوسع العمراني قابلا للحياة وليس مجرد تراكم للبناء. وبهذا المعنى، فإن المخطط لا يكتفي بتحديد أين يمكن البناء، بل يربط ذلك أيضا بمدى قدرة المجال على استيعاب النمو من دون استنزاف البنية القائمة.
ومن شأن هذا الوضوح أن يعيد تنظيم العلاقة بين المستثمرين والإدارة، خصوصا في مدينة تراهن على ترسيخ موقعها كقطب اقتصادي رئيسي في الحوض المتوسطي، مستفيدة من دينامية الميناء والمنصات الصناعية واللوجستية والمناطق الحرة. فالسوق العقارية لا تبحث فقط عن المرونة، بل تحتاج أيضا إلى قواعد معلومة ومستقرة تسمح باتخاذ قرارات استثمارية على أسس أقل ضبابية.
لكن في الوقت نفسه، تكشف طبيعة النقاش الجاري حول المشروع أن الرهان لا يتعلق فقط بوثيقة تقنية، بل بكيفية إعادة توزيع القيمة داخل المجال الحضري نفسه. فعندما يعاد توجيه بعض العقارات إلى استعمالات غير قابلة للبناء أو ذات كثافة أقل، وعندما تفرض شروط إضافية مرتبطة بالمحيط وبالبيئة وبحركية التنقل، فإن المدينة تكون بصدد الانتقال من منطق التوسع السريع إلى منطق أكثر صرامة، يضع الاستثمار أمام قواعد أوضح لكنه يطالبه أيضا بتحمل جزء أكبر من الكلفة الحضرية التي ينتجها.
وعقب انتهاء مرحلة البحث العلني، ينتقل المشروع إلى المجلس الجماعي لتدارسه في ضوء الملاحظات والتعرضات المسجلة، قبل إحالته على الأجهزة التقنية المختصة التابعة للوكالة الحضرية لاستكمال المسار الإجرائي. غير أن الاختبار الفعلي للوثيقة لن يتوقف عند هذه المرحلة، بل سيبرز عند مدى القدرة على تنزيل مقتضياتها داخل مدينة تبدو اليوم أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على جاذبيتها الاقتصادية، من دون ترك البيئة ضحية للتوسع، ومن دون أن تبقى اختناقات السير والجولان الثمن اليومي الذي يؤديه السكان مقابل النمو.

