بين أبراج دبي وميناء طنجة.. هل يعيد التوتر تسعير الجغرافيا في العقار؟

الشمال نيوز من طنجة

ترخي التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط بظلالها الثقيلة على خريطة الاستثمارات الإقليمية، دافعة رؤوس الأموال إلى إعادة تقييم مساراتها بحثا عن وجهات أقل انكشافا على الصدمات الخارجية.

وفي وقت تواجه فيه أسواق المضاربة السريعة كإمارة دبي ارتدادات أمنية واقتصادية متزايدة، تبرز مدينة طنجة في أقصى شمال المغرب كخيار استثماري صلب، مستفيدة من بنيتها المينائية وتوسعها الديمغرافي المستمر.

ولطالما قدمت دبي نفسها كوجهة مستقرة وآمنة، غير أن التداعيات الأمنية والضربات الإيرانية الأخيرة التي طالت بنى تحتية في مطارات وموانئ إماراتية، بدأت تؤثر على مناخ الثقة داخل سوقها العقارية.

وتجلت هذه الارتدادات، بحسب تقارير لوكالة “رويترز”، في إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية في مطارات المنطقة، تزامناً مع حادثة سقوط طائرتين مسيرتين قرب مطار دبي الدولي خلفت أربعة مصابين.

ويضرب هذا الارتباك في الصميم الفكرة الأساسية التي يسوقها قطاع العقار الإماراتي المرتبط ارتباطا وثيقا بحركة الطيران، وسفر رجال الأعمال، وسوق الإيجارات قصيرة الأمد. فعندما يسجل أي اضطراب في الملاحة الجوية، يتراجع الطلب العقاري بشكل موازٍ ومباشر نظراً لانحسار شريحة واسعة من الزبائن.

وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة للغاية للسوق العقارية في الإمارة، والتي سجلت قفزة في الأسعار بنحو 60 بالمئة بين عام 2022 والربع الأول من عام 2025. وتتسم هذه السوق باعتمادها المفرط على مبيعات العقارات على الخارطة، والتي شكلت 65 بالمئة من إجمالي المعاملات خلال العام 2025.

وفي بيئة تعتمد على بيع مشاريع مستقبلية قبل اكتمالها، يؤدي أي اهتزاز أمني إلى ارتفاع سريع في تكلفة المخاطر، وهو ما انعكس فعلياً في هبوط أسهم كبار المطورين العقاريين، واتساع هوامش المخاطرة، وتوقف عملي للإصدارات الجديدة في سوق السندات العقارية.

اقتصاد الواقع بعيدا عن المضاربات

في المقابل، تقدم مدينة طنجة عرضا اقتصاديا مغايرا يعتمد على الاقتصاد المادي وتلبية حاجيات الساكنة المحلية، ما يجعلها أقرب إلى الواقع اليومي للمواطنين وأبعد عن تقلبات المزاج الجيوسياسي.

ولا تعتمد عاصمة البوغاز على التسويق كوجهة للملاذات العقارية الفاخرة الموجهة للأجانب، بل تتمركز كقطب للعمل والإنتاج الصناعي.

وتعكس المعطيات الرسمية الصادرة في المؤشر المشترك لـ”بنك المغرب” والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، طبيعة هذا الاستقرار؛ إذ سجلت أسعار الأصول العقارية بطنجة ارتفاعا بنسبة 0.9 بالمئة في الربع الرابع من 2025، ترافق مع زيادة ملحوظة في حجم المعاملات بلغت 15.2 بالمئة.

وعلى امتداد العام ذاته، اتسمت السوق بالاستقرار مع نمو طفيف للأسعار بنسبة 0.6 بالمئة، وزيادة في المعاملات بنسبة 3.3 بالمئة.

ويكمن المؤشر الأكثر دلالة لفهم طبيعة هذا السوق في كون الارتفاع طال الأراضي الحضرية بنسبة 2.2 بالمئة، والمحلات التجارية بنسبة 7.3 بالمئة.

وتؤكد هذه البيانات أن حركية العقار في طنجة لا تدفعها المضاربة السكنية، بل نشاط تجاري وخدماتي واسع، وتمدد حضري يستجيب لافتتاح مشاريع توفر خدمات مباشرة للأحياء المتوسعة.

إعادة ترتيب أولويات رأس المال

وتستند هذه الحركية العقارية المدفوعة بالطلب المحلي إلى نمو ديمغرافي هيكلي، إذ تجاوز عدد سكان جهة طنجة-تطوان-الحسيمة 4.03 ملايين نسمة بحسب إحصاء 2024، مع تسجيل متوسط نمو سنوي استقر عند 1.26 بالمئة، وارتفاع لافت لنسبة النمو الحضري إلى 2.16 بالمئة.

ويفرض هذا التوسع السكاني الكثيف طلباً حقيقياً ومستمراً على السكن والمرافق التجارية، مدعوماً بنشاط لوجستي يشكل المحرك الفعلي لهذه الدورة الاقتصادية.

فقد عالج المركب المينائي “طنجة المتوسط” أكثر من 11.1 مليون حاوية قياسية خلال عام 2025، محققاً زيادة قدرها 8.4 بالمئة مقارنة بالعام السابق، ليساهم في خلق آلاف فرص العمل التي تجذب يداً عاملة تستقر في المدينة وتغذي دورتها الاستهلاكية بشكل مستدام.

وبطبيعة الحال، لا تؤدي التوترات الأمنية إلى خلق مراكز اقتصادية بديلة بشكل فوري، وتبقى الفوارق المالية واسعة لصالح دبي التي تتفوق في حجم السيولة وعمق السوق والتسويق الدولي، بتسجيلها نحو 226 ألف تصرف عقاري بقيمة 761 مليار درهم خلال 2024.

غير أن التوترات تعيد ترتيب أولويات رؤوس الأموال؛ وفي هذا السياق، تلتقط طنجة شريحة من المزاج الاستثماري الذي يعيد تقييم المخاطر، مقدمة نموذجا يستمد صلابته من الجغرافيا والميناء وتلبية احتياجات التوسع الديمغرافي، ليكون أكثر إقناعا من نماذج الاستثمار السريع عندما يرتفع منسوب القلق الإقليمي.

لا توجد تعليقات