أعاد اكتشاف أثري قبالة السواحل الجنوبية لإنجلترا تسليط الضوء على الدور الذي لعبه المغرب في شبكات التجارة الدولية خلال القرن السابع عشر، بعدما تمكن فريق دولي من الباحثين من تحديد هوية سفينة تجارية هولندية غرقت سنة 1633 وهي تحمل شحنة من القطع الذهبية المغربية في طريقها إلى أوروبا الشمالية.
ويتعلق الأمر بالسفينة الهولندية “دوم فان كولن”، التي غرقت في بحر المانش إثر عاصفة قوية أثناء توجهها من المغرب نحو الأراضي المنخفضة، بحسب نتائج دراسة أنجزها باحثون من جامعة بورنموث والمتحف البريطاني ومجموعة الآثار البحرية بجنوب غرب إنجلترا.
وجاء تحديد هوية السفينة بعد سنوات من التحقيقات الأثرية والتاريخية التي أعقبت العثور، خلال تسعينيات القرن الماضي، على مئات القطع النقدية الذهبية داخل حطام سفينة مجهولة قرب منطقة سالكومب الإنجليزية. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن تلك القطع تعود إلى شحنة كانت تنقلها السفينة الهولندية في رحلتها الأخيرة قبل غرقها.
ويشير الباحثون إلى أن السفينة كانت تحمل آلاف القطع الذهبية القادمة من المغرب، في مؤشر على حجم المبادلات التجارية التي ربطت المملكة بالأسواق الأوروبية خلال تلك المرحلة. كما يقدم الاكتشاف دليلاً مادياً نادراً على تداول العملة المغربية خارج المجال المغاربي، وعلى اندماج المغرب في شبكات التجارة البحرية التي كانت تربط شمال إفريقيا بالمراكز الاقتصادية الصاعدة في أوروبا.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة لأنه يسلط الضوء على العلاقات التجارية التي نسجها المغرب مع القوى البحرية الأوروبية خلال القرن السابع عشر، في فترة شهدت توسعاً ملحوظاً للنشاط التجاري الهولندي في الموانئ الأطلسية والمتوسطية.
ويرى مختصون أن حطام السفينة يمثل نافذة جديدة لفهم تاريخ الملاحة والتجارة البحرية في العصر الحديث المبكر، كما يساهم في إعادة رسم مسارات انتقال الذهب والبضائع بين الضفتين الجنوبية والشمالية للبحر، ويبرز المكانة التي احتلها المغرب ضمن الاقتصاد البحري الدولي قبل نحو أربعة قرون.
وبينما انتهت رحلة “دوم فان كولن” بكارثة بحرية في مياه المانش، فإن ما بقي من حمولتها في أعماق البحر تحول اليوم إلى شاهد تاريخي يكشف جانباً من الروابط الاقتصادية والتجارية التي جمعت المغرب بأوروبا في واحدة من أكثر الفترات حيوية في تاريخ الملاحة العالمية.

