الشمال نيوز من طنجة
من الأحياء الجديدة التي تتمدد خارج المركز، إلى مناطق النشاط الممتدة نحو كزناية وطنجة تيك، تكبر طنجة بوتيرة لم تعد تترك الماء في خانة المرفق العادي.
فكل توسع عمراني جديد يعني عدادات إضافية، وربطا جديدا بشبكات التطهير، ومياها عادمة أكثر، وحاجة أكبر إلى السقي وتصريف مياه الأمطار.
داخل هذا التحول، تتقدم رؤية “طنجة 2050: تدبير دائري للمياه لمدينة صامدة ومستدامة”، بوصفها محاولة لإدخال الماء إلى منطق المدينة نفسها: كيف تتوسع، وكيف تستهلك، وكيف تعيد استعمال جزء مما تنتجه من مياه مستعملة.
في مدينة مثل طنجة، لا يأتي الضغط من البيوت وحدها. الصناعة، اللوجستيك، السياحة، الأوراش، المرافق العمومية، والمساحات الخضراء، كلها تدخل في الطلب على الماء
وتتحرك طنجة هنا مبكرا في النقاش المغربي حول الاقتصاد الدائري للماء في المدن الكبرى. فالمسألة لا تتعلق ببحث عن مورد جديد فقط، بل بتغيير طريقة التعامل مع الماء بعد وصوله إلى المدينة.
حسب المندوبية السامية للتخطيط، انتقل عدد سكان جماعة طنجة من 947 ألفا و952 نسمة سنة 2014 إلى مليون و275 ألفا و428 نسمة سنة 2024. هذا يعني أكثر من 327 ألف ساكن إضافي خلال عشر سنوات.
لكن الرقم لا يقف عند السكان. فقد ارتفع عدد الأسر من 239 ألفا و243 أسرة إلى 362 ألفا و62 أسرة. أي أكثر من 122 ألف أسرة جديدة، بما يعني نقاط استهلاك إضافية، ومياها مستعملة أكثر، وضغطا يوميا أعلى على الشبكات.
في مدينة مثل طنجة، لا يأتي الضغط من البيوت وحدها. الصناعة، اللوجستيك، السياحة، الأوراش، المرافق العمومية، والمساحات الخضراء، كلها تدخل في الطلب على الماء. وكلما زادت هذه الاستعمالات، صار استعمال الماء الصالح للشرب في كل الوظائف أقل قابلية للاستمرار.
المدينة لا تنتظر أن يشتد الضغط ثم تبحث عن حلول متفرقة. إنها تحاول إدخال الماء مبكرا في التخطيط الحضري، في وقت لا تزال فيه مدن كثيرة تتعامل معه باعتباره خدمة تابعة تأتي بعد التوسع العمراني.
من هنا تظهر أهمية المياه العادمة المعالجة. فالمدينة التي تنتج مياها مستعملة أكثر يمكنها، إذا وفرت شروط المعالجة والتوجيه، أن تحول جزءا منها إلى مورد للسقي وبعض الاستعمالات الحضرية، بدل الاستمرار في الضغط على الماء الشروب.
وتندرج الرؤية ضمن مشروع “تيسير ممارسات الاقتصاد الدائري للمياه في الوسط الحضري”، الذي تنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بشراكة مع وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وبحسب معطيات الوكالة الألمانية، يمتد المشروع من يونيو 2023 إلى ماي 2027، بغلاف مالي يبلغ ستة ملايين أورو. ويستهدف إدماج تدبير الماء في التخطيط والتعمير، وتقوية القدرات التقنية والمؤسساتية، وتحسين استعمال المعطيات الرقمية المرتبطة بالماء والمناخ.
وتضطلع جماعة طنجة بدور الفاعل المحلي في بلورة هذا المسار داخل المدينة. غير أن الرؤية لا تقف عند اختصاص جماعي ضيق، لأنها تمس التعمير، والتطهير، والموارد، والفيضانات، ومشاريع الدولة في الماء.
في محيط طنجة، تتحرك الدولة على جبهة تأمين العرض. فقد أعلنت وزارة التجهيز والماء مواصلة مشروع تحويل فائض مياه سد وادي المخازن نحو سد دار خروفة، لتأمين تزويد طنجة الكبرى بالماء الصالح للشرب.
وأعلنت الوزارة أيضا برمجة محطة لتحلية مياه البحر لفائدة طنجة، بطاقة تصل إلى 150 مليون متر مكعب في أفق 2028، مع توقع انطلاق الأشغال في يوليوز 2026.
هذه المشاريع تجيب عن سؤال التزويد. أما الاقتصاد الدائري فيطرح سؤال الاستعمال. فالماء الذي يصل إلى مدينة بكلفة متزايدة لا ينبغي أن يستعمل مرة واحدة فقط، ثم يغادر الدورة عبر قنوات الصرف.
وتشمل الإجراءات المعلنة من وزارة التجهيز والماء إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء، إلى جانب مشاريع للحماية من الفيضانات تهم طنجة وكزناية وطنجة تيك ومحيط مطار ابن بطوطة.
هنا يلتقي وجهان للماء داخل المدينة. في سنوات الجفاف يصبح موردا نادرا. وفي فترات التساقطات القوية قد يتحول إلى خطر على الأحياء ومناطق النشاط.
يلتقي وجهان للماء داخل المدينة. في سنوات الجفاف يصبح موردا نادرا. وفي فترات التساقطات القوية قد يتحول إلى خطر على الأحياء ومناطق النشاط.
لذلك لا تنظر رؤية طنجة إلى الماء من زاوية الندرة فقط، بل من زاوية تدبير الدورة كاملة: التزويد، الاستعمال، المعالجة، إعادة الاستعمال، وتصريف مياه الأمطار.
وتبرز أسبقية طنجة في هذه النقطة تحديدا. المدينة لا تنتظر أن يشتد الضغط ثم تبحث عن حلول متفرقة. إنها تحاول إدخال الماء مبكرا في التخطيط الحضري، في وقت لا تزال فيه مدن كثيرة تتعامل معه باعتباره خدمة تابعة تأتي بعد التوسع العمراني.
غير أن المسار لن يحسم بالشعارات. نجاحه سيقاس بما سيظهر على الأرض: حجم المياه المعالجة التي سيعاد استعمالها، المساحات الخضراء التي ستغادر السقي بالماء الشروب، تقليص الهدر، تقوية شبكات التطهير، وتوجيه التوسع العمراني وفق قدرة الموارد والشبكات.
في طنجة، لم يعد السؤال فقط: هل يوجد ماء كاف؟
السؤال صار: كيف تتحرك كل قطرة داخل مدينة تكبر بسرعة، وتحتاج إلى أن تستعمل الماء أكثر من مرة، لا أن تتركه يغادر الدورة بعد أول استعمال.

