يعيش المشهد الاقتصادي في شمال المغرب مفارقة لافتة، حيث يقابل الطفرة الرقمية في تأسيس الشركات واقع “هشاشة تنظيمية” يهدد استدامة الاستثمارات الناشئة، ما دفع الفاعلين المؤسساتيين إلى التحرك لتطويق أزمة “التوقف المبكر عن النشاط”.
وتضع المؤشرات الرسمية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في قلب هذه المعادلة المزدوجة؛ فمن جهة، تواصل المنطقة الشمالية حصد الأرقام القياسية باحتلالها المرتبة الثانية وطنيا في إحداث المقاولات، مسجلة 12 ألفا و601 وحدة جديدة حتى متم أكتوبر 2025، ومن جهة أخرى، تصطدم هذه الوفرة بضعف في بنية التدبير يقلص فرص صمود هذه الوحدات أمام تقلبات السوق.
وتشير بيانات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية إلى أن هذا الزخم العددي يخفي وراءه هيمنة مطلقة لنموذج “التسيير الفردي”، حيث تتخذ أكثر من 60 في المئة من المقاولات الجديدة شكل شركات ذات مسؤولية محدودة بشريك وحيد أو مقاولات فردية.
ويحذر مراقبون للشأن الاقتصادي المحلي من أن هذا التمركز في نمط الملكية الفردية، المقترن بهيمنة قطاع التجارة بنسبة 44 في المئة، يفرز نسيجا مقاولاتيا يفتقر غالبا إلى آليات التدبير المالي الدقيق وتقسيم الوظائف، ما يجعله عرضة للتعثر السريع خلال السنوات الخمس الأولى من النشاط.
وفي تشخيص لظاهرة “وفيات المقاولات”، تتقاطع التقارير عند كون التعثر لم يعد مرتبطا حصرا بالعوامل الخارجية كالمنافسة، بل يعود جوهريا إلى “فجوة تدبيرية” داخلية، تتجلى في غياب أدوات التخطيط الاستراتيجي وضعف الامتثال للمعايير القانونية والاجتماعية.
وأمام هذا التحدي، تحاول الغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات استباق سيناريوهات الإفلاس عبر برنامج تكويني مكثف يمتد حتى 18 فبراير المقبل، مستهدفة تزويد مسيري المقاولات الصغرى والمتوسطة بأدوات “المناعة التدبيرية”.
وتركز هذه المبادرة، التي انطلقت الثلاثاء، على نقل التركيز من مجرد “الحصول على السجل التجاري” إلى ضبط تقنيات تسيير الموارد البشرية، والتحكم في التكاليف، واعتماد نظم الجودة، وهي حلقات مفقودة تحول دون تحول “النشاط الفردي” إلى مؤسسة مشغلة ومستقرة.
ويبدو أن الرهان في طنجة بدأ ينتقل فعليا من معادلة “الكم” وجذب الاستثمارات الجديدة، إلى معادلة “الكيف” وضمان الاستدامة، في مسعى لتفادي تحول الدينامية الاقتصادية إلى مجرد “دوران سريع” للشركات دون أثر تنموي عميق.

