طنجة والانتخابات المقبلة .. مدينة كبرى يحاصرها سياسيون أصغر من أسئلتها

الشمال نيوز من طنجة

قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية رسميا، بدأ المرشحون المحتملون في طنجة حملتهم الأهم: لا أمام الناخبين، بل داخل الأحزاب. فالمعركة التي يفترض أن تدور حول حصيلة التدبير، ومستقبل التعمير، والنقل، والضغط الديموغرافي، وجودة الخدمات، تكاد تختزل مبكرا في سؤال أكثر ضيقا: من يحصل على التزكية؟

هذه أول مفارقات المجال السياسي في المدينة. طنجة التي صارت كتلة حضرية تتجاوز مليونا و275 ألف نسمة، وتتحرك داخل رهانات ميناء دولي، ومجال عقاري شرس، وضغط عمراني متسارع، وسوق انتخابي شديد الحساسية، لا تزال نخبتها الحزبية تتصرف في لحظات كثيرة كما لو أن السياسة مجرد هندسة مقاعد، لا بناء جواب عن مدينة كبرت أكثر من ممثليها.

ليست الأزمة في غياب الأحزاب. بالعكس، تكاد طنجة تختنق بكثرة اللافتات الحزبية والأسماء والوسطاء والاصطفافات. الأزمة أن هذه الكثرة لا تنتج بالضرورة معنى سياسيا. تتحول أحيانا إلى ضباب كثيف: أغلبية لا تبدو دائماً أغلبية، معارضة لا تعارض دائما من خارج القرار، وأحزاب تحمل داخلها أكثر من مزاج وأكثر من طابور انتظار.

التزكية قبل المدينة

وتبدو دائرة طنجة-أصيلة، مع اقتراب انتخابات 2026، مثل مرآة مكبرة لهذا الخلل. داخل الأصالة والمعاصرة، مثلا، لم يعد النقاش محصورا في حصيلة موقع الحزب داخل الجماعة أو داخل البرلمان، بل تمدد إلى سؤال التزكية بين أسماء وازنة، قبل أن يضطر العمدة منير ليموري إلى النأي بنفسه عن تأويلات ربطت اسمه بمعركة مبكرة حول بطاقة العبور إلى التشريعيات.

والقيمة السياسية هنا لا توجد في النفي. توجد في أن النفي صار ضروريا أصلا. فحين يحتاج عمدة مدينة بحجم طنجة إلى توضيح موقعه من صراع تزكية قبل أشهر من الاقتراع، فهذا يعني أن التدبير المحلي لم يعد محميا من التوظيف الانتخابي.

وكل تحرك يصبح قابلا للقراءة كتموقع. وكل صمت كرسالة. وكل حضور كاختبار وزن. وكل ملف جماعي كرصيد محتمل في حساب معركة لم تبدأ بعد أمام المواطنين، لكنها بدأت فعليا داخل غرف الأحزاب.

الأمر لا يخص الأصالة والمعاصرة وحده. فالتجمع الوطني للأحرار يبحث عن صيغة تضمن استمرار حضوره. والاستقلال يفتش عن اسم قادر على حمل اللائحة دون أن يتحول إلى عبء. بينما العدالة والتنمية يراقب فرصة العودة من نافذة الخطاب الاحتجاجي. الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية وباقي التنظيمات تتحسس موقعها في سوق انتخابي مزدحم.

أما المواطن، فيظل غالبا خارج لحظة القرار الأولى، ثم يُستدعى لاحقا للتصويت على اختيارات صُنعت قبله ومن دونه.

هكذا تتحول التزكية إلى برنامج سياسي بديل. لا يسأل الحزب: ماذا سنقول لمدينة تختنق بالتحولات؟ بل يسأل: من يستطيع الفوز؟ لا يبحث عن مشروع يواجه ضغط طنجة، بل عن اسم قادر على المرور من غربال الحسابات المحلية والولاءات التنظيمية والقدرة المالية والشبكات العائلية والمجالية.

حزب واحد.. جبهتان داخل المجلس

ولم يكن السجال الذي تفجر بين عبد السلام العيدوني وعبد العظيم الطويل داخل مجلس جماعة طنجة مجرد خصومة حول المحجز الجماعي. وانما كان مشهدا كاشفا لشيء أعمق: حزب واحد يتحرك داخل المجلس كما لو أنه جبهتان.

وبدا الاتحاد الدستوري، الذي يفترض أنه مكون واحد داخل الخريطة الجماعية، في ذلك السجال بيتا منقسما بين تيار أقرب إلى الأغلبية المسيرة وتيار يتحدث بنبرة أقرب إلى المعارضة.

هذا ليس خلافاً شخصيا عابرا. إنه نموذج مصغر للسياسة المحلية حين تفقد مواقعها وضوحها. لا يعود المواطن قادرا على التمييز بين من يقرر ومن يعارض، بين من شارك في صنع الوضع ومن يندد به، بين من يحاسب ومن يناور.

المحجز الجماعي نفسه يصلح دليلا على هذه السياسة المرتبكة. فهو مرفق يفترض أن يناقش بمعايير التدبير: شروط الإيواء، الكلفة، المسؤولية، المراقبة، وطبيعة المحجوزات. لكنه تحول إلى منصة لإطلاق الرسائل بين رفاق الحزب الواحد. وحين يتحول مرفق إداري إلى مسرح لتصفية المواقع، فالمشكلة لا تعود في “الفوريان” فقط، بل في طريقة إنتاج السياسة داخل المدينة.

والأخطر أن هذا النوع من السجالات يمنح المنتخب امتيازا مريحا: أن يكون قريبا من القرار حين توزع المغانم، وغاضباً منه حين ترتفع الكلفة. هذه ليست معارضة. هذه إقامة دائمة في المنطقة الرمادية.

التعمير يفضح الجميع

وإذا كان ملف المحجز قد كشف ارتباك المواقع، فإن تصميم تهيئة طنجة المدينة كشف شيئا أكثر حساسية: علاقة السياسة بالأرض.

أكثر من 1500 تعرض ليست رقما إداريا باردا. إنها مؤشر على أن وثيقة التعمير مست مصالح حقيقية: ملاك، منعشون، سكان، أحياء، مساحات خضراء، طرق، حقوق بناء، وذاكرة عقارية كاملة. هنا لا تعود السياسة كلاما عاما عن التنمية. هنا يصبح كل خط مرسوم في الوثيقة قابلاً لأن يربح طرفاً ويخسر آخر.

لهذا بدا النقاش حول تصميم التهيئة أكبر من كثير من الفاعلين السياسيين. المجتمع تحرك بسرعة لأن مصالحه كانت واضحة. الملاك فهموا الخطر. المنعشون قرأوا الخرائط. السكان التقطوا أثر التنطيق على أحيائهم. أما جزء من النخبة، فدخل متأخراً، أو دخل بحذر، أو دخل حين اكتشف أن الملف صار قابلا للاستثمار انتخابيا.

هذه هي المفارقة الثقيلة: المواطنون يتعاملون مع التعمير باعتباره مصيراً، بينما يتعامل معه بعض المنتخبين باعتباره ورقة. وإذا كان تصميم التهيئة قد أخرج إلى السطح اعتراضات واسعة، فقد أخرج أيضاً سؤالاً أوسع: من داخل المجلس يملك تصوراً للمدينة؟ ومن لا يملك سوى حساب قريب أو متضرر أو داعم أو كتلة انتخابية؟

طنجة لا تحتاج إلى منتخب يكتشف الغضب بعد انفجاره. بل تحتاج إلى منتخب كان حاضراً حين كانت الوثيقة تصاغ، وحين كانت الاختيارات الكبرى تُبنى بعيداً عن صخب الدورات.

أغلبية تتوسع حين تربح

وداخل مجلس جماعة طنجة، تبدو الخريطة الحزبية واسعة ومركبة. لكن هذه التركيبة لا تنتج دائماً مسؤولية سياسية واضحة. فعند الإنجاز، تتسع دائرة الأبوة. وعند الاختلال، تضيق إلى حدود الاختصاص التقني أو المسؤولية المشتركة أو الإكراه الموضوعي.

وهذه من أكثر حيل السياسة المحلية إنهاكاً للثقة. فحين ينجح مشروع، تظهر الأحزاب كعائلة واحدة. وحين يفشل مرفق أو يتعثر ملف، يتحول البيت الواحد إلى شقق منفصلة: هذا لم يكن معنيا، وذاك لم يصوت، وآخر حذر، ورابع لم يُستشر، وخامس يكتشف فجأة أنه كان في موقع المعارضة الأخلاقية رغم وجوده داخل توازنات السلطة.

هكذا تصبح الأغلبية مفهوما مرنا. تكبر عند توزيع الرمزية، وتصغر عند توزيع المسؤولية.

النتيجة أن الناخب يجد نفسه أمام مشهد غير قابل للفهم: منتخب يشارك في التدبير لكنه يتحدث كلغة المعارض، حزب داخل الأغلبية لكنه يهاجم كأنه خارجها، وفاعل يفاوض داخل المؤسسات ثم يحتج خارجها. هذا التشويش ليس تفصيلاً. إنه يمس جوهر المحاسبة. فلا يمكن محاسبة من لا يريد الاعتراف بموقعه.

المدينة لا تُدار بالصور

وتتحدث طنجة كثيرا عن المدينة الذكية، والمؤتمرات الدولية، والميناء، والسياحة، والاستثمار، والواجهة المتوسطية. لكن السياسة المحلية تمتحن في أماكن أقل لمعانا: رصيف محتل، موقف سيارات تفرض فيه العشوائية نفسها، سوق موسمي مؤقت، محجز مرتبك، حي يختنق بالسيارات، تصميم تهيئة يقلق الملاك، ومرفق عمومي لا يعرف المواطن من يحاسبه عليه.

هناك فجوة بين لغة العرض ولغة العيش. في الأولى، تبدو طنجة قصة نجاح. في الثانية، تظهر مدينة تصارع تفاصيلها اليومية. السياسي المحلي يفضل غالباً اللغة الأولى لأنها أكثر أماناً. الحديث عن “طنجة الكبرى” أقل كلفة من مواجهة سؤال بسيط عن احتلال الملك العمومي. الحديث عن “الجاذبية الاستثمارية” أسهل من شرح لماذا يظل المواطن يشعر أن المرفق العمومي لا يواكب إيقاع المدينة.

لكن الانتخابات لا تُربح فقط بالصور. أو هكذا يفترض. فالمدينة التي تكبر بهذا الإيقاع تحتاج إلى أجوبة أقل زينة وأكثر صرامة. تحتاج إلى من يشرح ماذا سيفعل في النقل، والتعمير، والسكن، والنظافة، والوقوف، والثقافة، والمرافق، لا إلى من يكتفي بتدوير الشعارات نفسها مع صور أكثر جودة.

انتخابات أم إعادة توزيع مواقع؟

السؤال الحقيقي مع اقتراب 2026 ليس من سيفوز في طنجة. السؤال: هل ستنتج الانتخابات فرزا سياسيا، أم ستكتفي بإعادة توزيع المواقع بين الوجوه نفسها والشبكات نفسها والخطاب نفسه؟

وإذا بقي النقاش محصوراً في التزكيات، فإن المدينة ستكون أمام حملة بلا مضمون. وإذا ظل كل حزب يقدم أسماءه قبل أفكاره، فسيكون الناخب مدعواً لاختيار وجوه لا اختيارات.

وإذا واصل بعض المنتخبين ارتداء أكثر من قناع، فستمر الانتخابات من دون أن يعرف المواطن من يجب أن يكافئ ومن يجب أن يعاقب.

طنجة لا تفتقر إلى الطموح. بل تفتقر إلى طبقة سياسية تعترف بأن حجمها الحالي لا يكفي. مدينة بهذا الوزن لا يمكن أن تبقى رهينة منطق “من يقود اللائحة؟” و”من يضمن المقعد؟” و”من يفاوض القيادة؟”. هذه أسئلة أحزاب صغيرة أمام مدينة كبيرة.

الانتخابات المقبلة قد تكون فرصة لتجديد النخب، لكنها قد تكون أيضاً مناسبة أخرى لتجديد الوهم. الفارق بين الاحتمالين سيظهر في سؤال واحد: هل سيجبر الناخب المرشحين على الحديث عن طنجة، أم سيتركهم يواصلون الحديث عن أنفسهم باسم طنجة؟

لا توجد تعليقات