الشمال نيوز – خاص
بشريط ساحلي فريد يجمع الواجهتين المتوسطية والأطلسية، ونسيج عمراني مصنف عالميا، وكتل جبلية تخترقها مسارات إيكولوجية بكر، تبرز جهة طنجة-تطوان-الحسيمة كواحدة من الوجهات الأكثر تكاملا أمام السائح المغربي.
وتتماشى هذه المؤهلات الميدانية بشكل دقيق مع الفلسفة الجديدة لحملة “نتلاقاو فبلادنا” لربيع 2026، التي أطلقها المكتب الوطني المغربي للسياحة، لتحفيز المغاربة على اكتشاف التنوع الجغرافي لبلدهم عبر رحلات قريبة تدمج بين الاستجمام والمغامرة، بعيدا عن القوالب السياحية الجاهزة.
ولم يعد السفر الداخلي مجرد نشاط ثانوي، بل أصبح ركيزة أساسية للاقتصاد السياحي الوطني. فقد سجلت مؤسسات الإيواء المصنفة بالمملكة خلال سنة 2025 أكثر من 12,1 مليون ليلة مبيت للسياح المغاربة، وهو ما يمثل 28 بالمئة من إجمالي الليالي السياحية.
وفي ظل تركز 40 بالمئة من هذه الليالي في شهر غشت فقط، تعرض جهة الشمال اليوم خريطة سفر تكسر هذه النمطية، وتتيح خيارات عطلة ممتدة على مدار فصول السنة.
عطلة خارج قيود الصيف
وتشير الأرقام المسجلة بداية سنة 2026 إلى تغير ملموس في عادات السفر لدى المغاربة، حيث ارتفعت ليالي المبيت الداخلية خلال شهر يناير بنسبة 4 بالمئة لتبلغ 856.087 ليلة.
وبجد هذا التوجه المتصاعد نحو السفر خارج أوقات الذروة الصيفية استجابة مثالية في أقاليم الشمال، التي تتجاوز اليوم عرضها الشاطئي الصيفي، لتتيح شبكة متكاملة من الأنشطة الثقافية، والرياضية، والطبيعية.
وبدل البحث عن وجهات متعددة ومتباعدة، يجد المسافر المغربي نفسه أمام منطقة جغرافية توفر له تجربة مدمجة ومتقاربة. وهو ما يجسد بشكل عملي جوهر حملة “نتلاقاو فبلادنا”، التي تراهن على تشجيع العطلات البينية والإقامات القصيرة المليئة بالتجارب المكثفة.
ثلاثية البحر والجبل والتاريخ
وتفكك المعطيات الميدانية العرض السياحي للجهة لتقديم خيارات تلائم مختلف الفئات والأذواق. فمدينة تطوان، بمدينتها العتيقة المصنفة تراثا عالميا والتي تحافظ على طابعها الأندلسي الأصيل وحرفها التقليدية، ترتبط جغرافيا بشريط “تمودا باي” الساحلي الممتد على مسافة 15 كيلومترا.
وتتيح هذه التركيبة للسائح إقامة تدمج بين الهدوء الثقافي في الأزقة التاريخية والاستجمام في منتجعات ساحلية متقدمة، في انتقال مكاني لا يتطلب سوى دقائق معدودة.
وبعيدا عن الواجهة البحرية، يتحول إقليم شفشاون إلى خزان حيوي للسياحة البيئية والمفتوحة. وخلف الشهرة البصرية لـ”المدينة الزرقاء” وأزقتها، تفتح المنطقة أبوابها لهواة المغامرة عبر غطاء غابوي وجبلي يمتد على مساحة تفوق 60 ألف هكتار.
وتوفر مسارات منتزه تلاسمتان الطبيعي، الذي يحتضن غابات الشوح النادرة (السانغو)، والرحلات الراجلة نحو شلالات أقشور، وقمم جبل تيسوكا وأزيلان، بنية تحتية جاهزة للسياحة في الهواء الطلق، مما يمنح السائح المغربي فرصة استهلاك المجال الطبيعي بعيدا عن صخب المراكز الحضرية.
وفي أقصى شرق الجهة، تقدم مدينة الحسيمة جوابا سياحيا يجمع بين تضاريس متباينة بامتياز. فالمدينة التي توصف بـ”لؤلؤة المتوسط”، تضم حديقة وطنية تمتد على الواجهتين البرية والبحرية، وتحوي تنوعا بيولوجيا نادرا يشمل طيور العقاب النساري، ومحيطا جغرافيا يخفي أكثر من 200 كهف.
ولا تقتصر العطلة هنا على السباحة في خلجان شهيرة مثل “كيمادو” أو “بادس”، بل تمتد لتشمل الغوص، والاستغوار، والمشي في المسارات المحاذية للمنحدرات البحرية، لتصبح الحسيمة نقطة جذب متكاملة للعائلات وهواة التحدي والمشي الجبلي.
جودة عالمية للمسافر المغربي
وتشكل مدينة طنجة نقطة الارتكاز اللوجستية والثقافية في هذه الخريطة. إذ تلعب عاصمة البوغاز دور البوابة الرئيسية للجهة، مستفيدة من ربطها عبر القطار الفائق السرعة (البراق) وشبكة الطرق السيارة، ما يجعلها وجهة أولى للإقامات القصيرة الخاطفة (“سيتي بريك”).
وتتيح طنجة لزوارها جولة تاريخية في القصبة، وأسواق المدينة القديمة، وزيارة موقع رأس سبارطيل حيث يلتقي البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، قبل الانطلاق نحو باقي أقاليم الجهة.
ولا تقتصر الجاهزية الميدانية للجهة على استقطاب السوق الداخلية، بل تعتمد على بنيات تحتية وفندقية جعلت منها وجهة دولية بامتياز.
وقد برز هذا الحضور القوي على الساحة العالمية بوضوح خلال الربع الأول من عام 2026؛ حيث اختارت نقابة الشركات الفرنسية لمنظمي الرحلات السياحية (SETO) منتجع “تمودا باي” أواخر شهر مارس لعقد منتداها بمشاركة 140 صانع قرار.
وفي الفترة ذاتها، قام وفد وازن من الجمعية الأمريكية لمنظمي الرحلات (USTOA)، يضم 50 مسؤولا، بجولات ميدانية في طنجة وشفشاون للوقوف على مؤهلاتهما السياحية.
ويقدم هذا التقاطع بين الاستقطاب الدولي القوي وتلبية احتياجات السوق المحلية ضمانة ملموسة للسائح المغربي بحصوله على تجربة سياحية بمعايير عالمية صارمة.
ومن خلال هذه الدينامية الميدانية، تتصدر جهة طنجة-تطوان-الحسيمة الوجهات المستفيدة من حملة “نتلاقاو فبلادنا”، مقدمة خريطة سفر واضحة المعالم: جولة في عمق التاريخ صباحا، استرخاء على رمال المتوسط زوالا، واكتشاف إيكولوجي في اليوم الموالي، ضمن رحلة واحدة لا تحتاج إلى تأشيرة.

