لم تعد زيادة أسعار المحروقات في المغرب مجرد مؤشر مالي يتردد في نشرات الأسواق. في شمال البلاد، حيث يتداخل النشاط الصناعي الكثيف مع الحركة التجارية اليومية، تتحول أسعار الوقود إلى أزمة معيشية تتسلل بهدوء إلى منازل المواطنين.
بين الميناء والمناطق الصناعية، وعلى امتداد الطرق الرابطة بين طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق، لا يتوقف أثر الزيادة عند محطات التعبئة، بل يمتد ليطال تكلفة المعيشة بأكملها.
وتأتي هذه الضغوط في وقت بالغ الحساسية، إذ تزامنت التحذيرات الرسمية من تداعيات التوترات في الشرق الأوسط مع تسجيل خام برنت أعلى مستوياته منذ منتصف 2022. لكن بالنسبة للمستهلك المحلي، هذا الرقم يعني شيئا واحدا: ارتفاعا حتميا في أسعار السلع.
مخاوف التضخم تخرج للعلن
نادرا ما يظهر التأثير المباشر لأسعار الوقود على القدرة الشرائية بشكل فوري. لكن لجوء الحكومة إلى إقرار دعم استثنائي لمهنيي النقل الطرقي يعكس إدراكا بحجم الأزمة.
ولم يكن هذا التدخل مجرد استجابة لقطاع متضرر، بل محاولة لاستباق واحتواء صدمة التكلفة قبل أن تضرب أسعار الاستهلاك بشكل كامل.
وعندما ترتفع تكلفة شحن البضائع ونقل الأشخاص، يصبح المستهلك النهائي هو من يدفع الفاتورة. الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تؤكد هذا المنحى، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 0.5 في المائة في مؤشر أسعار الاستهلاك خلال فبراير، مدفوعا بزيادة أسعار المواد الغذائية.
فالمحروقات هنا ليست مجرد وقود للسيارات، بل هي تكلفة خفية تضاف إلى أسعار الخضروات، والسلع اليومية، والخدمات الأساسية.
اقتصاد الشمال تحت الضغط
منطقة الشمال ليست مجرد امتداد جغرافي؛ إنها شريان اقتصادي رئيسي. فبساكنة تتجاوز أربعة ملايين نسمة، ومساهمة تقارب 11 في المائة من الناتج الإجمالي الوطني، تستحوذ الجهة على 12.6 في المائة من نشاط النقل والتخزين في البلاد.
هذا الثقل الاقتصادي، المدعوم بالنشاط اللوجستي الهائل لميناء طنجة المتوسط الذي عالج أكثر من 187 مليون طن من البضائع، يجعل المنطقة شديدة الحساسية لأي تقلبات في أسعار الطاقة.
وفي بيئة تعتمد بشكل مكثف على النقل والشحن، لا يمكن حصر تكلفة الوقود في خانة المصاريف التشغيلية. إنها ضريبة تضغط على سلسلة التوريد بأكملها، وسرعان ما تجد طريقها إلى جيوب المستهلكين.
التكلفة غير المرئية
لكن الأثر الاقتصادي لا يتوزع بالتساوي. فالإحصاءات تظهر تباينا في معدلات ارتفاع الأسعار بين مدن الجهة، حيث سجلت الحسيمة وتطوان ارتفاعا ملموسا، بينما تلعب كثافة العرض والبدائل المتاحة دورا في التخفيف المؤقت للصدمة في طنجة.
والنتيجة الصارخة لهذه الأزمة هي أن المتضرر الأكبر ليس بالضرورة من يملك سيارة. فالأسر تجد نفسها تدفع ضريبة غير معلنة في كل مرة تستخدم فيها سيارات الأجرة، أو تشتري احتياجاتها اليومية.
إنها أزمة تتمدد بصمت، ولا يبرز حجمها الحقيقي إلا في عجز الميزانيات الأسرية في نهاية كل شهر.

