“صوماجيك” تعيد هندسة التنقل الحضري.. حلول تحت-أرضية تمتص “زحام السطح” وترتقي بمعايير الأمان

الشمال نيوز من طنجة

على وقع هدير محركات لا يهدأ وحركية دؤوبة تعكس الطفرة الاقتصادية والسياحية لمدينة طنجة، يتدفق آلاف الزوار يوميا نحو الكورنيش والمدينة القديمة، مشكلين لوحة حضرية نابضة بالحياة، تمزج بين سحر التاريخ وحداثة المشاريع الكبرى.

غير أن هذه الدينامية المتسارعة ظلت، لوقت قريب، تعاني من “حلقة مفقودة” تربك انسيابيتها، حيث كانت عملية العثور على مكان لركن السيارة وسط هذا الزحام أشبه بمغامرة محفوفة بالتوتر، تستهلك وقت السائقين وتستنزف أعصابهم في “حرب أرصفة” صامتة تخنق شرايين المدينة.

بيد أن الصورة اليوم تبدو مغايرة تماما، فعلى عمق أمتار قليلة تحت طبقات الإسفلت المزدحمة، تكتب شركة “صوماجيك باركينغ” فصلا جديدا في تاريخ المدينة، باستثمار ضخم ناهز 600 مليون درهم.

وقد نجحت الشركة من خلال هذا الورش في خلق “عالم مواز” تحت الأرض يقطع جذريا مع صخب السطح، في تحول استراتيجي يأتي لمواكبة استحقاقات  2025 و2030، ولا يقتصر على مجرد تغيير في البنية التحتية، بل يجسد رؤية إدارية جديدة تسعى لأنسنة المجال الحضري.

وفي هذا السياق، يرى مهدي بوهريز، المدير العام للشركة، أن هذا المشروع يتجاوز مفهوم الخدمة التقنية ليصبح “فلسفة حضرية” تهدف بالأساس إلى تحسين “جودة العيش”.

هذه المرائب تمثل “حلا مستداما” يزاوج بين الحفاظ على جمالية المدينة وتلبية الحاجيات المتزايدة للسكان

ويتجلى هذا المنظور بوضوح بمجرد عبور البوابات الإلكترونية للمرائب الكبرى، مثل “باب المرسى” أو “ساحة الأمم”، حيث ينقطع ضجيج الشارع فجأة ليحل محله هدوء رقمي منظم.

ويشكل هذا التباين الصارخ بين “فوضى” الحياة في السطح و”نظام” التكنولوجيا في العمق، جوهر القيمة المضافة التي راهنت عليها الشركة المفوضة لإنهاء معاناة السائقين.

ويؤكد بوهريز، رابطا بين البنية التحتية والأثر النفسي على المواطن، أن الرهان الحقيقي لم يكن بناء جدران إسمنتية فحسب، بل تحويل عملية الركن إلى “تفصيل ذكي” يخدم راحة المرتفق. 

فالهدف، بحسب المسؤول ذاته، هو أن يبدأ الزائر تجربته في طنجة “بشكل إيجابي حتى قبل أن يمسك خارطته السياحية”، وهي الرؤية التي حولت المرائب من مجرد مخازن للسيارات إلى “ردهات استقبال” عصرية، تمنح الزائر انطباعا أوليا عن تطور المدينة وتنظيمها.

فبدلا من الدوران العبثي بحثا عن ثغرة في الشارع، باتت الأنظمة الذكية توجه السائقين بدقة نحو الأماكن الشاغرة، في ترجمة عملية لقول بوهريز إن الشركة “لا تبيع تذكرة وقوف، بل توفر (راحة البال) التي تحرر الزائر للاستمتاع بوقته”.

خارطة رقمية لامتصاص “طوفان” السيارات

ولا تدار هذه “الماكينة” الخدماتية بالصدفة أو الارتجال، بل تستند إلى هندسة مجالية دقيقة ومعطيات إحصائية صارمة اطلعت عليها صحيفة “الشمال نيوز“، صممت خصيصا لمواجهة التوسع العمراني السريع. إذ تدير الشركة شبكة معقدة وشاملة توفر ما مجموعه 5651 مكانا للركن في مجموع تراب الجماعة، موزعة بمنطق التكامل بين السطح والعمق.

وتستحوذ “المناطق الزرقاء” السطحية على 2650 موقفا، مشكلة خط الدفاع الأول لتنظيم الوقوف قصير الأمد في المحاور التجارية، مما يسمح بدوران سريع للسيارات يمنع احتكار الأماكن العامة وينعش الحركة الاقتصادية للمحلات التجارية المحاذية.

وبالموازاة مع ذلك، يكمن الثقل الاستراتيجي للمشروع في المرائب تحت الأرضية التي توفر 2095 موقفا محروسا ومجهزا بأحدث التقنيات، حيث تتمركز هذه المنشآت في “نقاط الضغط” القصوى مثل الكورنيش، وساحة “9 أبريل” التاريخية، والحي الإداري الجديد.

ووفق منظور المدير العام للشركة، فإن هذه المرائب تمثل “حلا مستداما” يزاوج بين الحفاظ على جمالية المدينة وتلبية الحاجيات المتزايدة للسكان، خاصة وأن الشركة حرصت على إكمال نسيج الشبكة بدمج 526 موقفا في الساحات السطحية المنظمة، والتدخل في نقاط كانت تعتبر “سوداء” مروريا، مثل “سيدي بوعبيد” و”سرفانتيس”، مجهزة إياها بـ 380 مكانا إضافيا.

ويسمح هذا التنويع المدروس في العرض بتدبير ذكي لأوقات الذروة، لا سيما خلال الموسم الصيفي، مدعوما بمنظومة تشغيلية تعتمد على فريق بشري مكون من 150 موظفا.

 تتمركز هذه المنشآت في “نقاط الضغط” القصوى مثل الكورنيش، وساحة “9 أبريل” التاريخية، والحي الإداري الجديد.

وقد خضع هذا الطاقم لتدريبات مكثفة نقلتهم من عقلية الحراسة التقليدية إلى “ثقافة الخدمة”، وهو ما يشير إليه بوهريز باعتباره استثمارا حاسما لضمان أن تكون التكنولوجيا “في خدمة الإنسان”.

وتلعب منصة “Tanger Parking” الرقمية دور “العقل المدبر” لهذه الشبكة، حيث تتيح للمرتفقين تفاعلا لحظيا مع حالة المواقف، مدعومة بتقنيات “إنترنت الأشياء” (IoT) وكاميرات المراقبة التي جعلت من الأمان “تحصيلا حاصلا”، مع توفير خيارات دفع إلكترونية تقلص التعاملات النقدية وتسرع وتيرة المغادرة.

من “عبء” يومي إلى رافعة للتنمية

ولعل أبرز ما أفرزه هذا التنظيم المحكم هو الأثر الملموس على المشهد الحضري العام لطنجة، متجاوزا حدود “خدمة الركن” بمفهومها الضيق. فقد ساهم توجيه آلاف السيارات نحو باطن الأرض في “تطهير” الشوارع والساحات التاريخية من فوضى الوقوف المزدوج والعشوائي، لتستعيد مناطق حيوية مثل “مارينا باي” ومحيط المدينة العتيقة رونقها، موفرة فضاءات أرحب للمشاة والسياح.

ويندرج هذا التحول، بحسب بوهريز، ضمن “الدور المواطن” للشركة التي تسعى لأن تكون شريكا في التنمية، حيث بات بإمكان الزوار اليوم التقاط صور للمعالم التاريخية دون أن تشوهها صفوف السيارات المتراصة، مما يعزز الجاذبية السياحية للمدينة.

تقدم طنجة عبر نموذج “صوماجيك” برهانا ملموسا على جاهزيتها اللوجستية وقدرتها على استيعاب التدفقات الجماهيرية الكبرى وفق معايير دولية صارمة تزاوج بين الأمن والانسيابية.

إضافة إلى ذلك، فإن توفر مرائب آمنة وقريبة يشكل حافزا قويا للسياح لقضاء وقت أطول في المطاعم والأسواق، مما يرفع من حجم الإنفاق السياحي ويؤكد صحة الرهان الاقتصادي على “جودة التجربة” التي تحدث عنها بوهريز.

ومع احتضان كأس أمم إفريقيا 2025، تقدم طنجة عبر نموذج “صوماجيك” برهانا ملموسا على جاهزيتها اللوجستية وقدرتها على استيعاب التدفقات الجماهيرية الكبرى وفق معايير دولية صارمة تزاوج بين الأمن والانسيابية.

وفي المحصلة، نجحت الاستراتيجية التي قادتها الشركة في تحويل التحدي الديموغرافية والمروري المعقد إلى قصة نجاح ملهمة. فبينما يستمر صخب الحياة في الأعلى كعلامة صحية على حيوية المدينة، يعمل “المنشآت التحتية” بصمت وكفاءة لضمان استمرار هذه الحركة، ليصبح ركن السيارة في طنجة، بفضل هذه الرؤية المندمجة، “تفصيلا ذكيا” يعزز جودة الحياة، وليس عائقا يقف في وجهها، مؤسسا لنموذج جديد حيث التكنولوجيا تخدم الرفاهية اليومية للمواطن.

لا توجد تعليقات