في مشهد التحولات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها المغرب، تقف مدينة طنجة كنموذج مكثف لقصة النجاح السريع وتناقضاتها الحادة.
فالمدينة التي تُسوّق اليوم كبوابة عالمية لأفريقيا ومنصة لوجستية قارية، تواجه امتحانا عسيرا لا يتعلق بقدرتها على جذب الرساميل، بل بقدرتها على الحفاظ على نسيجها الاجتماعي.
لقد تحول السكن في هذه الحاضرة الصاعدة من مجرد حاجة وظيفية للعيش إلى أصل استثماري يخضع لحسابات “المستقبل”، مما خلق هوة سحيقة بين القيمة السوقية للمدينة والقدرة الشرائية لقاطنيها.
إن ما يجري في سوق العقار بطنجة ليس مجرد تضخم اعتيادي في الأسعار، بل هو انفصال هيكلي بين دورتين اقتصاديتين: دورة الاستثمار التي تراهن على المدينة المستقبلية المرتبطة بالأسواق العالمية والاستحقاقات القارية الكبرى، ودورة الاقتصاد المحلي حيث تعيش الطبقة المتوسطة واقعا دخليا لا يواكب تلك الطموحات.
بالنسبة للمستثمر، الشقة هي رهان على عائد رأسمالي آجل، بينما هي بالنسبة للمواطن تكلفة آنية خانقة تستنزف الاستقرار.
من السذاجة الاقتصادية اختزال هذا المشهد في “جشع” المنعشين العقاريين. فالفاعلون في السوق يتصرفون بمنطق عقلاني تحكمه تكلفة الأرض، وشروط التمويل، وتوقعات العائد. المشكلة تكمن أساسا في انسحاب السياسات العامة من دورها كضابط للإيقاع الحضري. حين يُترك السوق ليدير نفسه بنفسه في مدينة تشهد تحولا جيواستراتيجيا بهذا الحجم، فإن النتيجة الحتمية هي انتصار “القيمة التبادلية” للعقار على “القيمة الاستعمالية” له.
إن طنجة تدفع اليوم ضريبة نجاحها المتوقع. فالبنيات التحتية الهائلة والربط اللوجستي لم ترفع فقط من جاذبية المدينة، بل رفعت أيضا من “تكلفة الدخول” إليها والبقاء فيها. ومع ذلك، فإن مدينة تلفظ طبقتها المتوسطة وتدفعها إلى الهوامش هي مدينة تخاطر بفقدان حيويتها الاقتصادية على المدى البعيد.
فالمدن القابلة للحياة ليست تلك التي تلمع واجهاتها الزجاجية فحسب، بل تلك التي يستطيع محركها البشري أن يجد فيها مستقرا بتكلفة معقولة.
إن التحدي الذي يواجه صناع القرار في طنجة اليوم ليس كبح جماح الاستثمار، بل توجيه بوصلته.
المطلوب هو هندسة مالية وعمرانية مبتكرة تعيد تعريف الأرض كمنفعة عامة لا كمضاربة صامتة، وتخلق مسارات لإنتاج سكن يلبي حاجة “العيش” وليس فقط شهية “الامتلاك”.
إن طنجة تقف عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تنجح في مواءمة طموحها العالمي مع استقرارها المحلي، أو تتحول إلى “محمية عقارية” رائقة المبنى، لكنها خاوية من روح ساكنيها.

