تصريحات مزور حول غياب النسيج عن النقاش الصناعي تثير رد مهنيين يحذرون من تهميش قطاع يعيل 230 ألف أسرة

الشمال نيوز من طنجة

لم تكن تصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور حول تراجع حضور صناعة النسيج في النقاش الصناعي مجرد ملاحظة عابرة بالنسبة لمهنيي القطاع. فبالنسبة لصناعة تشكل منذ عقود أحد أعمدة التصنيع في المغرب، بدا الكلام أقرب إلى إشارة مقلقة حول موقعها داخل المرحلة الجديدة من السياسة الصناعية.

مزور كان قد أشار، في سياق حديثه عن التحولات التي تعرفها المنظومة الصناعية، إلى أن النقاش الاستراتيجي أصبح يتركز أكثر على قطاعات صناعية جديدة ذات قيمة مضافة مرتفعة مثل صناعة السيارات والطيران وسلاسل إنتاج البطاريات المرتبطة بالتحول العالمي نحو التنقل الكهربائي.

هذا التحول في الخطاب يعكس واقعا اقتصاديا جديدا. فصناعة السيارات أصبحت اليوم أكبر قطاع تصديري في المغرب، بينما توسعت منظومة الطيران لتضم عشرات الشركات العالمية، في حين تراهن الدولة على موقع متقدم في صناعة البطاريات المرتبطة بالسيارات الكهربائية.

لكن بالنسبة لمهنيي النسيج، فإن التحول في الأولويات لا ينبغي أن يترجم إلى تقليل من وزن قطاع ما زال يشكل أحد أكبر مصادر التشغيل الصناعي في البلاد.

صناعة تشغل مئات الآلاف وتغذي الصادرات

في بيان للجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، شدد المهنيون على أن القطاع يؤمن العيش لأكثر من 230 ألف أسرة مغربية، ما يجعله أحد أكبر القطاعات الصناعية المشغلة في البلاد.

وتشير المعطيات الصناعية إلى أن صناعة النسيج والألبسة تضم نحو 1600 مقاولة وتنتج ما يقارب مليار قطعة سنويا موجهة أساسا للتصدير.

ويمثل القطاع حوالي 27 في المائة من مناصب الشغل الصناعية في المغرب، كما يساهم بنحو 7 في المائة من القيمة المضافة الصناعية، ما يجعله أحد أكثر القطاعات تأثيرا في توازن سوق الشغل الصناعي.

ولا يقتصر وزن القطاع على التشغيل فقط. فصناعة النسيج تعد أيضا أحد محركات التجارة الخارجية للمملكة.

فقد بلغت صادرات القطاع في بعض السنوات أكثر من 36 مليار درهم، مع توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج نحو السوق الأوروبية التي ظلت لعقود الوجهة الرئيسية للمنتجات المغربية.

وتبقى إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا من أهم الوجهات الرئيسية لصادرات النسيج المغربي، وهو ما يعكس اندماج الصناعة المحلية في سلاسل القيمة الأوروبية التي تعتمد على القرب الجغرافي وسرعة التسليم.

كما تشير بيانات حديثة إلى أن صادرات الملابس المغربية إلى الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 1.48 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025، ما يعكس استمرار الطلب الأوروبي على الإنتاج المغربي رغم المنافسة الدولية المتزايدة.

هذا الموقع داخل السوق الأوروبية لم يأت صدفة. فالمغرب استطاع خلال العقود الماضية بناء نموذج صناعي قائم على الإنتاج القريب من الأسواق الأوروبية، ما يسمح لشركات الأزياء بالحصول على طلبيات سريعة مقارنة بالمصانع الآسيوية البعيدة.

منافسة عالمية تضغط على القطاع

مع ذلك، فإن هذا الموقع لا يخلو من التحديات. فالمنافسة الدولية في صناعة النسيج والألبسة أصبحت أكثر شراسة خلال السنوات الأخيرة.

فالقطاع يواجه ضغطا متزايدا من منصات إنتاجية كبرى مثل الصين وبنغلاديش وفيتنام، وهي دول تهيمن على جزء كبير من السوق الأوروبية بفضل تكاليف إنتاج منخفضة وحجم إنتاج ضخم.

كما برزت دول أخرى في محيط المتوسط مثل مصر وتركيا كمنافسين مباشرين للصناعة المغربية في السوق الأوروبية.

ورغم ذلك، تمكن المغرب من الحفاظ على موقع متقدم نسبيا، إذ احتل المرتبة الثالثة إفريقيا في صادرات النسيج والملابس عام 2025، مستفيدا من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا ومن شبكة لوجستية متطورة نسبيا.

لكن المهنيين يرون أن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب سياسات صناعية تأخذ بعين الاعتبار العوامل التي تحدد القدرة التنافسية، مثل تكلفة الطاقة واللوجستيك وسرعة سلاسل التوريد.

في هذا السياق، يرى صناعيون أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بترتيب القطاعات داخل الاستراتيجية الصناعية، بل بكيفية الحفاظ على تنوع القاعدة الإنتاجية للمملكة.

فالرهان على الصناعات التكنولوجية المتقدمة لا يلغي – في نظرهم – أهمية القطاعات الصناعية التي تشغل مئات الآلاف من المغاربة وتوفر قاعدة تصديرية مستقرة.

ولهذا، يؤكد مهنيون أن النقاش حول مستقبل الصناعة المغربية لا يمكن أن يستبعد قطاعا يوفر هذا الحجم من فرص العمل ويساهم بشكل ملموس في الصادرات.

وبينما تتجه السياسة الصناعية نحو قطاعات جديدة أكثر تعقيدا تكنولوجيا، يصر الصناعيون في النسيج على أن الصناعة التي صنعت تاريخ التصنيع المغربي لا تزال، حتى اليوم، جزءا أساسيا من معادلته الاقتصادية.

لا توجد تعليقات