قبل 2600 عام.. مرساة قبالة رأس سبارطيل تدخل دراسة دولية تعيد قراءة تاريخ الملاحة القديمة

أعادت دراسة أثرية دولية حديثة الاهتمام ببقايا مرساة بحرية قديمة عُثر عليها قبالة رأس سبارطيل بمدينة طنجة، بعدما أدرجها باحثون ضمن أقدم الشواهد المحتملة على انتقال تقنيات الملاحة في البحر الأبيض المتوسط من المراسي الحجرية التقليدية إلى المراسي المركبة من الخشب والرصاص، خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.

ونشرت الدراسة، الثلاثاء، في المجلة العلمية الدولية «Journal of Maritime Archaeology»، تحت عنوان «من الحجر إلى الرصاص: مرساة حمولة دور L2 والتسلسل الزمني للمراسي المركبة من القرن السابع إلى الرابع قبل الميلاد»، بمشاركة باحثين من جامعتي حيفا وكاليفورنيا في سان دييغو.

واعتمد الفريق البحثي على إعادة تحليل اكتشافات أثرية بحرية من مواقع متعددة في حوض المتوسط، بينها المغرب وإسبانيا وتركيا ومصر والساحل الشرقي للبحر، بهدف مراجعة التسلسل الزمني لظهور المراسي الخشبية التي تحتوي على مكونات من الرصاص.

وخصص الباحثون اهتماماً لبقايا مرساة عُثر عليها سنة 2002 خلال عمليات مسح أثري تحت الماء قبالة رأس سبارطيل، ضمن مشروع لدراسة التراث البحري لشبه جزيرة طنجة.

ويتعلق الاكتشاف بجزء من ثقل مرساة مصنوع من الرصاص، احتفظ ببقايا خشبية سمحت للباحثين بإخضاعها لتحليل الكربون المشع لتقدير عمرها.

وأظهرت التحاليل أن القطعة الخشبية، التي تنتمي إلى نوع من أشجار البلوط المعروف علمياً باسم «Quercus ilex»، تعود إلى فترة زمنية تتراوح بين 785 و400 سنة قبل الميلاد، وهو نطاق واسع لا يسمح بتحديد تاريخ صنع المرساة بدقة.

غير أن الدراسة الجديدة أعادت وضع هذا الاكتشاف ضمن مقارنة مع مراسٍ أثرية عُثر عليها في موقع «دور L2» بالساحل الشرقي للمتوسط، وحطام السفينة «مازارون 2» بإسبانيا، معتبرة أن القطعة المكتشفة قرب طنجة ربما تعود إلى المرحلة المبكرة نفسها من انتشار المراسي الخشبية المدعمة بالرصاص.

وتشير النتائج إلى احتمال ظهور هذا النوع من المراسي منذ أواخر القرن السابع أو مطلع القرن السادس قبل الميلاد، أي قبل نحو 2600 سنة، في مرحلة شهدت تطور تقنيات الملاحة والتجارة البحرية بين ضفتي المتوسط.

وأوضح الباحثون أن المراسي القديمة كانت تعتمد في البداية على كتل حجرية ثقيلة لتثبيت السفن، قبل أن تتطور إلى هياكل خشبية مزودة بأثقال حجرية أو رصاصية وأذرع تسمح بالتشبث بقاع البحر.

وساهم هذا التطور في تقليل وزن بعض المراسي وتحسين قدرتها على تثبيت السفن، مقارنة بالأنواع الحجرية التي تجاوز وزن كثير منها 200 كيلوغرام.

وخلص التحليل إلى أن الانتقال بين التقنيتين لم يحدث بصورة مفاجئة، إذ استمر استعمال المراسي ذات الأثقال الحجرية بالتزامن مع انتشار النماذج الخشبية والرصاصية خلال فترة امتدت لنحو قرن.

وفي الموقع الرئيسي الذي تناولته الدراسة، عثر الباحثون على جزء من مرساة مركبة يبلغ طولها الأصلي المقدر نحو 2.2 متر، وتحتوي على أربعة أثقال داخلية من الرصاص، في ارتباط بحمولة بحرية ضمت جراراً فخارية وكتلاً من الحديد الخام.

وساعد تأريخ المواد العضوية المرتبطة بهذه الحمولة على إرجاعها إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن السادس قبل الميلاد، ما وفر أساساً زمنياً جديداً لمقارنة تقنيات صناعة المراسي في مواقع أخرى.

وتكتسي الإشارة إلى رأس سبارطيل أهمية أثرية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة عند التقاء المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط، حيث شكلت المياه المحيطة بشبه جزيرة طنجة مجالاً لعبور السفن والأنشطة البحرية منذ العصور القديمة.

وكانت عمليات المسح الأثري المنجزة سنة 2002 قد وثقت عدة تجمعات لبقايا المراسي القديمة قبالة رأس سبارطيل ورأس أشقار، تشمل عناصر رصاصية وحجرية وحديدية تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة.

ورجح الباحثون الذين أشرفوا على تلك العمليات أن بعض المواقع البحرية بالمنطقة استُعملت مراسيَ للسفن التجارية التي كانت تنتظر الظروف المناسبة لعبور مضيق جبل طارق أو تتردد على المنشآت الساحلية القديمة.

وتضمنت الاكتشافات السابقة أيضاً شواهد ترتبط بالنشاط البحري خلال الفترات البونية والموريتانية والرومانية، ما يعكس امتداد الاستعمال البحري لهذه المنطقة عبر قرون متعددة.

وتعتبر الدراسة الحديثة أن وجود تقنيات متشابهة لصناعة المراسي في شرق المتوسط وغربه يمثل مؤشراً على انتقال المعارف والابتكارات البحرية بين مناطق متباعدة جغرافياً.

غير أن الباحثين لم يجزموا بأن مرساة رأس سبارطيل تعود تحديداً إلى القرن السابع قبل الميلاد، كما أن التشابه التقني بين المراسي لا يثبت وحده وجود رحلات مباشرة بين المواقع التي اكتُشفت فيها.

ولا يتعلق البحث باكتشاف أثري جديد في مياه طنجة، بل بإعادة تقييم علمي لقطعة عُثر عليها قبل أكثر من عقدين، ضمن دراسة دولية تستفيد من المعطيات الأثرية والتحاليل الزمنية الحديثة.

وتمنح النتائج الجديدة لبقايا مرساة رأس سبارطيل مكاناً ضمن النقاش العلمي حول البدايات المبكرة لتطور معدات الملاحة البحرية، وتفتح المجال أمام أبحاث إضافية بشأن دور السواحل الأطلسية المغربية في تاريخ التقنيات البحرية القديمة.

لا توجد تعليقات