الأخلاقيات لا تبدأ من المحاكم

لم تُبتكر لجان الأخلاقيات السياسية لتكون “غرفة طوارئ” لا تفتح أبوابها إلا على وقع صفارات سيارات الأمن، كما أنها ليست “فرقة إطفاء” تُستدعى على عجل لإخماد حرائق الفضائح بعد أن تلتهم ألسنة اللهب رصيد الحزب أمام الرأي العام.

حين تهرع لجان الأخلاقيات الحزبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقط بعد أن يصبح أحد مسؤوليها صيدا ثمينا في شباك التحقيق القضائي، فإن السؤال الجوهري يتجاوز بكثير مسألة تجميد عضويةٍ هنا أو هناك؛ إنه يُسائل كل ذلك الصمت المريب الذي سبق العاصفة.

لا يجادل أحد في أن لجوء الحزب إلى تجميد عضوية مسؤول بارز على خلفية فضيحة أوراق التصويت بطنجة وانتقالها إلى غرف التحقيق وتوقيف المعني بالأمر هو ممارسة لحق تنظيمي صرف، وحركة تتقيد ظاهريا باحترام قرينة البراءة وفصل المسار الحزبي عن الجنائي. هذا أمر لا غبار عليه.

بيد أن الأخلاقيات السياسية، في عمقها الفلسفي والعملي، لم تُبتكر لتكون “غرفة طوارئ” لا تفتح أبوابها إلا عندما تقف سيارات الشرطة عند الباب.

وإلا، فما الخط الفاصل إذن بين “لجنة أخلاقيات” تُفترض فيها اليقظة الاستباقية، وبين مجرد وكالة للتواصل المتأزم وإدارة الأضرار (Crisis Management)؟ هذه هي المسألة التي تفرض نفسها اليوم على طاولة التشريح، بعيدا عن أسماء الأشخاص وعن لائحة الاتهامات التي يظل القضاء الرقيب الوحيد عليها.

لقد درجت التشكيلات السياسية على تأثيث واجهاتها بلجان أخلاقيات، تُسند إليها على الورق صلاحيات كبرى وتُسوَّق كصكوك غفران للنزاهة الداخلية.

لكن هذه الهياكل سرعان ما تُصاب بـ”عمى الألوان” حين يتطلب الأمر تدخلا وقائيا في قلب التنظيم، لتستحيل إلى خلايا مفرطة النشاط فقط حين تصبح فاتورة الصمت الباهظة أثقل من فاتورة اتخاذ القرار. هنا، تحديداً، تُفرَّغ الأخلاقيات من حمولتها، وتتحول إلى مساحيق تجميل باهتة.

لا يحتاج أي تنظيم سياسي إلى لجان حكماء لتخبره بأن مسؤولا قابع في الزنزانة الاحتياطية؛ فهذه أنباء تتكفل بها شاشات التلفاز. ما تحتاجه السياسة حقا هو “رادار” استباقي يلتقط ذبذبات الخلل ومؤشرات الانحراف وهي لا تزال في مهدها التنظيمي، قبل أن تتضخم لتصبح ملفات جنائية ثقيلة.

فالعملية الانتخابية ليست مجرد طقس عابر ينتهي بسقوط الأوراق في الصناديق. إنها مسار شاق يمتد لأشهر؛ من انتقاء المرشحين، وتوزيع الغنائم التنظيمية، وإدارة الحملات. وفي كل تفصيل من هذه التفاصيل، ثمة مساحة شاسعة يجب أن تملأها الأخلاق السياسية لتطويق الانتهازية قبل أن يتدخل سيف القانون الجنائي.

غير أن ثقافة “المقاولة الانتخابية” التي تجذرت لعقود، جعلت المبادئ رهينة للمنطق التبريري: يبقى القيادي “مناضلا فذا” ما دامت ماكينته قادرة على حصد الأصوات، وتُخرس كل الأصوات المزعجة أمام سحر النتائج، ولا تُستحضر لغة الصرامة إلا حين يقع المحظور وتطفو الفضيحة على السطح لتصبح أكبر من أن تُطمر في الكواليس. عندئذ فقط، تُنفض الأتربة عن القوانين الأساسية، وتنعقد المكاتب في جنح الليل، وتُستل مصطلحات من قبيل “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. إنها قرارات قد تبدو سليمة من حيث المبدأ، لكنها من حيث الوظيفة التخليقية: ولدت متأخرة جدا.

وإذا كانت الأحزاب قد اختارت طوعا أن ترهن ضميرها بقرارات النيابة العامة لتحدد لها متى تبدأ “الشبهة”، وتنتظر قاضي التحقيق ليعلن لها جدية الانحراف، فلنعد صياغة السؤال: ما الجدوى إذن من كل تلك الهياكل الداخلية التي تحمل ألقاب التحكيم والنزاهة؟

وهذا العطب البنيوي لا يخص التنظيم المعني اليوم بـ”زلزال طنجة” حصرا؛ بل هو عرض مرضي أصيل يخترق الجسد الحزبي برمته. من المثير للسخرية المريرة كيف تتبدل المفردات بين عشية وضحاها داخل الأحزاب؛ يتوارى التمجيد، وتُسحب الصور، ويُستعاض عن الشخصنة بلغة “حماية المؤسسة”.

لكن دعونا لا نخلط الأوراق: محاولة الحزب إنقاذ سفينته من الغرق بعد ارتطامها بجبل الجليد هي محض “إدارة للضرر”، أما الحيلولة دون الانحراف نحو جبل الجليد أصلا، فتلك هي “الأخلاق السياسية”. والبون بينهما شاسع كالمسافة بين الوقاية والتشريح.

بالطبع، لا يُتوقع من الأحزاب أن تنصب المشانق لمناضليها بناء على شائعات عابرة، أو أن تحول مقراتها إلى محاكم تفتيش لتصفية الحسابات. لكن، بين جحيم التشهير وصمت القبور المريب، توجد منطقة عازلة اسمها “الرقابة اليقظة”؛ تسأل، تحذر، تستمع، وتمنع الحزب من التدحرج نحو الهاوية.

ستأخذ قضية طنجة مسارها القانوني الصارم، وسيكون للعدالة وحدها الكلمة الفصل في إدانة الأشخاص أو تبرئتهم. أما الأحزاب، فعليها أن تستوعب درسا قاسيا: لجان الأخلاقيات التي لا يوقظها سوى طرقات الشرطة على أبواب المحاكم، هي لجان تصل دائما متأخرة عن موعدها. فوظيفتها الحقيقية، والوحيدة ربما، هي أن تعمل قبل أن نُساق جميعاً إلى ذلك الباب.

لا توجد تعليقات