الشمال نيوز من طنجة
يُطرح في مدينة طنجة تساؤل جوهري حول الجدوى الفعلية لبرنامج الدعم المباشر للسكن، في ظل مؤشرات متزايدة على لجوء السوق إلى آليات تعاقدية موازية.
وتبرز فرضية اقتصادية تفيد بأن الأداء النقدي غير المصرح به، المتداول في السوق بـ”النوار”، يعطل الأهداف الاجتماعية للبرنامج، عبر تحويل المنح العمومية إلى سيولة مالية تغطي فوارق سعرية خارج العقود الرسمية.
وتشهد مناطق التوسع العمراني السريع، وتحديدا الشريط الممتد بين مسار جماعة اكزناية ومحيط المحطة الطرقية الجديدة، ضغطا سعريا يجعل العرض العقاري غير متطابق مع السقوف الحكومية المحددة للولوج إلى الدعم (300 ألف و700 ألف درهم).
ويدفع هذا التفاوت بين الكلفة الفعلية والتسعير الرسمي بعض الفاعلين إلى اعتماد آلية “التعاقد المزدوج” لتمرير المعاملات التجارية.
وتقوم هذه الآلية المحتملة على تثبيت ثمن رسمي في الوعد بالبيع يطابق شروط المنصة الرقمية لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مقابل اشتراط أداء الفارق الفعلي نقدا. وبذلك، تعبر منحة الدولة القنوات المؤسساتية نحو حساب التوثيق، بينما تُدفع السيولة الذاتية للمشتري خارج المسار البنكي والضريبي السليم.
ويثير هذا المسار المالي الموازي مخاوف الرصد المؤسساتي. فبدل أن يسهم الدعم العمومي في تخفيف العبء الائتماني وتقليص كلفة السكن، يتحول عمليا إلى رافعة غير مباشرة للأسعار المضخمة، مُقصيا الفئات غير القادرة على توفير الدفعات النقدية الجانبية، ومُعرضا المستفيدين لمخاطر المراجعات الجبائية اللاحقة.
جغرافيا التفاوت السعري
ويُشكل المحور العمراني الرابط بين اكزناية والمحطة الطرقية، مرورا بالمجالات المتاخمة للطريق الدائرية، أبرز جيوب التوسع السكني بطنجة. وتسجل هذه المناطق، المدفوعة بالدينامية الصناعية والديمغرافية للمدينة، ارتفاعا متواصلا في كلفة الوعاء العقاري وتكاليف مواد البناء.
وتُشير المعطيات المتداولة بين مهنيي القطاع إلى ندرة العرض السكني المطابق فعليا، وبشكل تجاري صرف، لسقف 300 ألف درهم الموجه للسكن الاقتصادي، إلى جانب صعوبة التزام شريحة واسعة من شقق الطبقة المتوسطة بسقف 700 ألف درهم.
ويخلق هذا التفاوت الهيكلي فجوة بين “السعر التجاري المرجعي” الذي يفرضه المنعشون، و”السعر الرسمي المقبول” للولوج إلى الدعم المباشر.
ولردم هذه الفجوة دون فقدان الزبناء الراغبين في الاستفادة من المنحة الحكومية، تبرز فرضية “التعاقد المزدوج” كآلية عملية لتكييف المعاملات مع الشروط الإدارية الصارمة.
هندسة التعاقد المزدوج
ويعتمد برنامج الدعم المباشر على محددات رقمية دقيقة: منحة 100 ألف درهم للسكن الذي يقل ثمنه عن 300 ألف درهم (مع احتساب الرسوم)، ومنحة 70 ألف درهم للسكن المتراوح بين 300 ألف و700 ألف درهم.
وتُدار العملية عبر منصة “دعم سكن” الرقمية، حيث يُشترط إيداع وعد بالبيع، لتُصرف المنحة لاحقا عبر صندوق الإيداع والتدبير (CDG) في حساب الموثق، وتُدمج في العقد النهائي.
وتقوم آلية “التكييف” المحتملة في سوق طنجة على مبدأين متلازمين: أولا، تحرير وعد بالبيع يحدد الثمن عند عتبة الدعم القصوى (مثلا 299 ألف درهم أو 699 ألف درهم) لضمان القبول الإداري الآلي في المنصة الرقمية. ثانيا، اشتراط البائع أداء فارق السعر الحقيقي نقدا، دون إدراجه في الوثائق، قبل توقيع العقد النهائي. وتتم هذه الدفعة النقدية الموازية، في الغالب، في مراحل التفاوض الأولى لضمان حجز العقار.
الأثر الاقتصادي المعكوس
وإذا ما استقرت هذه الممارسة كقاعدة في معاملات التوسع العمراني الجديد، فإن التحليل المحاسباتي يؤكد تحييدا شبه كامل للأثر الاقتصادي للمنحة العمومية.
وفي وضع اعتيادي، تساهم منحة 100 ألف درهم في تقليص قيمة القرض البنكي الذي يتحمله المواطن، أو تغني عن توفير دفعة ذاتية كبيرة.
لكن، في ظل اشتراط الأداء النقدي الموازي، يُجبر طالب السكن على تدبير سيولة نقدية موازية تعادل، أو تفوق في أحيان كثيرة، قيمة الدعم الممنوح.
وتؤدي هذه الميكانيزمات إلى نتيجة مركبة: تُستخدم منحة الدولة لتغطية الجزء المصرح به رسميا عند الموثق، بينما تُستنزف مدخرات المشتري في تأدية الجزء غير المصرح به.
والمحصلة المباشرة هي أن الكلفة الإجمالية التي يتحملها المواطن لا تنخفض، في حين يسهل المال العمومي، رغم سلامة مساره الإداري، إتمام معاملة تجارية تتضمن فوارق سعرية لا تخضع للضريبة على الشركات (IS) أو الضريبة على القيمة المضافة (TVA).
الإقصاء الاجتماعي المغلف
وتتجاوز التداعيات الجانب الجبائي لتمس البعد الاجتماعي للبرنامج. لقد صُمم الدعم المباشر، في فلسفته الأصلية، لتيسير ولوج الفئات الهشة والمتوسطة إلى سكن رئيسي، وخفض عبء التمويل البنكي المستدام.
بيد أن آلية الدفع النقدي الجانبي تفرض شرطا إقصائيا غير معلن. إذ يصبح الاستحقاق الفعلي لبرنامج الدعم رهينا بقدرة الأسرة على توفير مبالغ نقدية سائلة خارج مؤسسات الائتمان.
وتُقصى الأسر التي تعتمد كليا على التمويل البنكي المدعوم، ولا تملك مدخرات مسبقة لتسديد الفارق غير المصرح به، بشكل آلي من السوق، حتى وإن كانت تستوفي جميع الشروط الإدارية والقانونية المنصوص عليها في المرسوم المنظم للدعم.
يحصر هذا النسق المعاملاتي الاستفادة الفعلية في فئات تمتلك سيولة مالية مسبقة، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويحد من الغاية التضامنية للسياسة العمومية في قطاع الإسكان.
حدود السلطة التوثيقية
وتُنجز جميع هذه المعاملات تحت إشراف مكاتب التوثيق، بصفتها الجهة المخولة قانونا بضمان الأمن التعاقدي وتحصيل الرسوم.
ومع ذلك، تبقى القدرة المهنية للتوثيق على استباق أو ضبط التسربات النقدية الجانبية محدودة بقوة القانون.
وينحصر التدخل المؤسساتي للموثق في التأكد من صحة الوثائق، أهلية الأطراف، خلو العقار من التحملات، ومطابقة الثمن المكتوب في الوعد بالبيع للشروط المنصوص عليها في المنصة الرقمية.
ولا يمتلك الموثقون صفة الضابطة القضائية، ولا أدوات قانونية لتتبع مسار أداءات نقدية تحدث خارج الحسابات المهنية. كما لا يمكن من الناحية المسطرية رفض توثيق عقد استوفى شروطه الشكلية بمجرد الاشتباه التقديري في القيمة التجارية للعقار.
ويُنتج هذا التحديد الدقيق لمهام التوثيق منطقة عمياء في مسار المراقبة المسبقة، تتيح للتعاقد المزدوج المرور عبر القنوات الرسمية دون عوائق إدارية.
الفجوة الرقابية والمراجعة الجبائية
في غياب بروتوكول تقاطع استباقي للمعلومات بين منصة الدعم التابعة لوزارة الإسكان والإدارة الجبائية أثناء معالجة الملفات، يُرجأ التدخل الرقابي الفعلي إلى مرحلة ما بعد إتمام البيع والتسجيل.
وتعتمد المديرية العامة للضرائب على التقييم البعدي للمعاملات العقارية، استنادا إلى “المرجعية السعرية” (Référentiel des prix) الخاصة بمدينة طنجة.
ويسفر هذا التقييم، الذي يُفعل أحيانا بعد أشهر من إغلاق الملف، عن رصد التفاوت بين الثمن المصرح به لتبرير الدعم، وبين القيمة التجارية الحقيقية للعقار في منطقة كإكزناية أو المحطة الطرقية.
وتُفضي المراجعة الضريبية آليا إلى مطالبة المشتري بتأدية رسوم تسجيل إضافية، مرفقة بالغرامات والزيادات القانونية. ويُسجل هنا احتمال تعرض طالب السكن لضرر اقتصادي مزدوج: أداء مبلغ نقدي مسبق كشرط لتسهيل المعاملة العقارية مع البائع، ثم تحمل العبء الضريبي الناجم عن تصريح ناقص بشكل منفرد، رغم أن خفض السعر الرسمي كان غالبا آلية مفروضة لاستيفاء شروط البرنامج الحكومي.
استدامة البرنامج أمام واقع السوق
وتضع المؤشرات المرتبطة بسوق العقار في التوسعات الحضرية لطنجة متخذي القرار أمام تحدي مراجعة آليات الحكامة المرتبطة بالبرنامج المباشر للسكن.
ويفرض اتساع الهوة بين الأثمنة المرجعية للإدارة وتلك المصرح بها للاستفادة، ضرورة التفكير في إرساء أدوات تتبع أكثر صرامة، تعتمد على التقاطع الفوري للبيانات.
وبدون معالجة الفجوة الهيكلية بين السقوف القانونية الثابتة والأسعار الواقعية المتغيرة للسوق العقارية، تبقى فرضية امتصاص الدعم العمومي عبر آليات الأداء النقدي غير المهيكل قائمة، مما يهدد بتحويل سياسة الإسكان من دعم مباشر للمواطن، إلى تمويل غير مباشر للاختلالات التسعيرية في قطاع العقار.

