أكزناية.. ضاحية طنجة التي سبقت الإسمنت وتأخر فيها الإنسان

على المدخل الغربي لطنجة، حيث تمتد العمارات الجديدة والمشاريع العقارية بوتيرة سريعة، تبدو جماعة أكزناية وكأنها تعيش على إيقاع مدينة تصعد اقتصادياً نحو الواجهة.

طرق جديدة، مجمعات سكنية، مصانع، وأوراش مفتوحة على مدار الساعة.

غير أن هذا المشهد الذي يوحي بالتحول والازدهار يخفي، خلف واجهته الإسمنتية، توتراً يومياً يتسلل إلى تفاصيل الحياة العادية لسكان المنطقة.

في أكزناية، لا يتحدث السكان عن غياب المشاريع الكبرى، بل عن غياب أثرها المباشر على حياتهم اليومية. فبينما تتوسع الكتلة العمرانية بسرعة، يزداد الإحساس بأن الخدمات الأساسية تتحرك ببطء شديد، وكأن المدينة تُبنى على مستويين مختلفين، واحد للاستثمار والعقار، وآخر للناس الذين يعيشون داخله.

تضم الجماعة أكثر من 95 ألف نسمة، وفق المعطيات المتداولة محلياً، لكنها ما تزال تتحرك ضمن بنية أمنية يعتبرها متابعون غير كافية لمواكبة هذا النمو الديمغرافي والعمراني. ومع اتساع الأحياء الجديدة، ارتفع حضور مظاهر الجريمة والعنف والاتجار بالممنوعات، في وقت يصف فيه فاعلون محليون الوضع بأنه أكبر من قدرة التدخلات الحالية المحدودة.

في بعض الأحياء، تحولت “البراريك” العشوائية إلى جزء من المشهد اليومي. أكشاك غير منظمة، بيع سري، ونقاط يربطها السكان بترويج المخدرات والأقراص المهلوسة. ويزداد هذا الإحساس بالفوضى كلما اقترب الحديث من مناطق مثل الدير وشواقرش أو بعض التجمعات السكنية التي يقول السكان إنها أصبحت تعيش على وقع توتر دائم بين التوسع العمراني وغياب الضبط الحضري.

ولا يبدو النقل أفضل حالاً. فمع ضعف التغطية الرسمية، فرض النقل السري نفسه كوسيلة يومية للتنقل، قبل أن يتحول بدوره إلى مصدر فوضى مرورية داخل المحاور الرئيسية. حافلات صغيرة وسيارات تتوقف بشكل عشوائي، واختناق متكرر عند المداخل والأسواق، وسط شعور متزايد بأن المدينة تنمو أسرع من قدرتها على تنظيم نفسها.

حتى قطاع النظافة، الذي دخل مرحلة جديدة بعد تفويض التدبير لشركة خاصة بكلفة تناهز ثلاثة مليارات سنتيم سنوياً، لم ينجح في إنهاء مشهد الأزبال المتراكمة داخل بعض الأحياء والمناطق الصناعية. فمع الضغط المتزايد للنفايات التجارية والصناعية، تبدو البنية الحالية عاجزة عن مواكبة التحول العمراني الذي تعرفه المنطقة.

وفي شارع المنصور الذهبي، أحد الشرايين الرئيسية لأكزناية، يتحول احتلال الملك العام إلى جزء من الحياة اليومية. عربات مجرورة، باعة متجولون، وأرصفة اختفت تحت ضغط النشاط التجاري، بينما يجد الراجلون أنفسهم مضطرين للسير وسط الطريق بين السيارات والشاحنات.

داخل المجمعات السكنية، لا تختلف الصورة كثيراً. ففي بعض الإقامات، تحولت الشوارع إلى مواقف مفتوحة للشاحنات الثقيلة، ما خلق توتراً دائماً مع السكان بسبب الضجيج والازدحام والمخاوف الأمنية المرتبطة بوجود هذه المركبات قرب العمارات السكنية ليلاً.

أما “مدينة ابن بطوطة الجديدة”، التي قُدمت باعتبارها أحد المشاريع العمرانية الكبرى بالمنطقة، فتعيش بدورها مفارقة واضحة بين الصورة التسويقية والواقع الميداني. بنايات حديثة، لكن بخدمات محدودة، ونقل ضعيف، وإنارة غير كافية في بعض الأزقة، إضافة إلى غياب مرافق صحية وإدارية تواكب هذا الامتداد الحضري.

وتبرز أزمة الشواهد الإدارية باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية داخل الجماعة. فبحسب المعطيات المتداولة، يوجد أكثر من 1500 طلب عالق يتعلق بشواهد الربط بالماء والكهرباء، في ظل تشدد مرتبط بمحاربة البناء العشوائي، وهو ما خلق حالة احتقان لدى أسر تقول إنها تجد نفسها اليوم داخل منازل قائمة، لكن دون قدرة على تسوية وضعيتها الإدارية.

في الخلفية، يظهر عامل آخر يزيد الوضع تعقيداً، وهو تباطؤ قطاع البناء بعد تجميد عدد من الرخص وتعثر وثائق التهيئة. قطاع كان يشكل المورد الأساسي لعشرات الحرف والمهن الصغيرة داخل أكزناية، قبل أن تدخل المنطقة مرحلة ركود اقتصادي انعكس مباشرة على نسب البطالة والهشاشة الاجتماعية.

وسط كل هذه التحولات، تبدو أكزناية وكأنها تختصر التناقض الذي تعيشه ضواحي المدن الكبرى في المغرب. عمران يتقدم بسرعة، مقابل سؤال يومي حول جودة الحياة، والأمن، والنقل، والخدمات الأساسية. فالمشكلة هنا لا تتعلق بغياب الاستثمار، بل بطريقة توزيع أثره داخل المجال الحضري، وبين من يستفيد فعلاً من التحول الجاري، ومن يكتفي بمشاهدته من نافذة شقته الجديدة.

لا توجد تعليقات