الشمال نيوز من طنجة
لا تتحرك طنجة اليوم في ملف الرقمنة من بوابة واحدة. فبين منصات الشكايات والرخص والخدمات الإدارية، وتطبيقات ركن السيارات، تبدو المدينة وكأنها تبني تدريجيا طبقة رقمية فوق نسيجها العمراني المتسارع.
غير أن هذا الانتقال، ورغم زخمه، لا يكتسب معناه الفعلي من عدد المنصات المعلنة، بل من قدرتها الميدانية على امتصاص الضغط اليومي الذي يفرضه التوسع الديمغرافي على واحدة من أكثر الأقطاب الحضرية نمواً في المغرب.
ولا يشكل هذا المسار الرقمي مجرد تحديث تقني أو واجهة تواصلية، بل هو استجابة حتمية لتوسع مدينة تجاوز عدد سكانها 1.27 مليون نسمة، وتتمركز ضمن جهة تقارب ساكنتها أربعة ملايين نسمة.
لذلك، فإن كل نقاش مؤسساتي حول “المدينة الذكية” في طنجة يظل، في جوهره، بحثاً عن أدوات مستحدثة لتدبير الوقت الحضري وتقليص كلفة التنقل والخدمات.
رقمنة المرفق
وتظهر أوضح واجهات هذا التحول المؤسساتي في مرفق الركن العمومي، بوصفه أحد أكثر المرافق التصاقا باليومي الحضري. إن إطلاق نظام المراقبة الإلكترونية لتدبير المواقف لا يعني فقط تثبيت دعامات تقنية، بل يعكس انتقالا جذريا في فلسفة التتبع الإداري.
فقد باتت السلطات المنتخبة تتوفر على آلية مركزية تتيح التتبع الآني لنسب الملء، وحركية الولوج، والمسار المالي، مقروناً بتوثيق رقمي آلي للمخالفات يعتمد على الإحداثيات الجغرافية والتوقيت.
ويكتسي هذا التحديث أهمية بالغة لكون قطاع المواقف ظل لسنوات عرضة لانتقادات واسعة بشأن معايير الشفافية والمردودية المالية.
وفي الاتجاه نفسه، يوفر تطبيق “بارك باس غو” (ParkPass Go) واجهة مباشرة للمرتفقين لتسديد الرسوم وتوليد التذاكر الافتراضية، ما ينهي الاحتكاك المادي المباشر، ويؤسس لتدبير حضري قائم على الإشعار الفوري ومعالجة البيانات لتنظيم استغلال الفضاء العام.
مدينة تحت الضغط
غير أن مقاربة التحول الرقمي عبر المواقف وحدها تظل غير كافية لفهم شمولية الدينامية. فطنجة تراكم، بموازاة ذلك، بنيات أخرى تدخل في صلب منظومة “المدينة الذكية”.
إذ تعتمد المدينة حاليا مركزاً للتحكم في الحركة الحضرية، تتركز مهامه في معالجة البيانات الآنية الواردة من شبكة واسعة لكاميرات المراقبة المرتبطة بالألياف البصرية، بهدف الضبط الآلي لبرمجة الإشارات الضوئية. وهذا يعني انتقالا من التعامل مع الاختناق المروري كمعطى حتمي، إلى إدارته كتدفقات قابلة للضبط.
وتمتد الرقمنة إلى هيكل الإدارة المحلية. إذ توفر البوابة الرسمية لجماعة طنجة معالجة إلكترونية لسلسلة من المساطر، تشمل إيداع الشكايات واستصدار وثائق الحالة المدنية والرخص.
وقد تم تعزيز هذه الإجراءات بنشر تجريبي لأكشاك الخدمة الذاتية في فضاءات العبور، في خطوة تهدف لتقليص الضغط على المقرات المركزية.
وتكتسب هذه الخطوات وزنها في ظل التمدد الحضري السريع، والموقع اللوجستي المعقد للمدينة، حيث يعيد النمو السكاني تشكيل العلاقة اليومية بين المواطن والمرفق العام.
اختبار الأثر
ومن منظور تحليل السياسات العمومية، فإن تراكم هذه البنيات التقنية لا يعني الوصول المكتمل لنموذج “المدينة الذكية”. فالأدق أن طنجة تبني حاليا البنية التحتية الأولية لهذا النموذج. إذ لا تقاس المدن الذكية بعدد التطبيقات، بل بمدى القدرة على جعل هذه العناصر تتحدث ضمن منظومة مندمجة؛ بحيث تتقاطع بيانات المواقف مع مسارات السير، وتتصل الشكايات بقرارات التدخل الميداني لفرق الصيانة.
هنا يبرز التحدي المؤسساتي الحقيقي. فإذا ظلت الرقمنة موزعة على جزر تقنية معزولة، ستبقى آثارها محدودة. أما تحويلها إلى شبكة متكاملة لإدارة القرار المحلي، فيتطلب حكامة رقمية واضحة، وتنسيقا بين المتدخلين، وتحييناً مستمراً لقواعد البيانات.
وعليه، يظل المؤشر الفعلي لنجاح هذه الاستراتيجية الحضرية مرهونا بأثرها الملموس: تقليص الكلفة الزمنية اليومية للمواطن في التنقل والولوج إلى الخدمة الإدارية بفعالية. وعند تحقق هذه المؤشرات، يمكن الإقرار بأن طنجة بدأت فعليا التأسيس لنموذج حضري ذكي يتجاوز مرحلة التجريب.

