هل وصل تضارب المصالح إلى تراث طنجة؟.. حكاية منزل تاريخي ومشاريع تتجاوز أسواره

الشمال نيوز من طنجة

أعادت أشغال توسعة منزل تاريخي يملكه وزير الدفاع الإسباني الأسبق خوسيه بونو، في قلب المدينة العتيقة لطنجة، فتح النقاش حول حدود الاستثمار العقاري داخل المجالات المحمية، ومسؤولية المؤسسات المنتخبة والإدارية عن صيانة التراث المعماري.

فقد كشفت صور نشرتها صحيفة “ذي أوبجيكتيف” الإسبانية، مطلع أكتوبر 2026، عن إضافة طابق واحد على الأقل فوق المنزل الذي كان يقيم فيه الرسام الكتالوني جوزيب تابيرو.

وأعادت هذه الصور إلى الواجهة عمليات اقتناء ودمج عقارات مجاورة، جرت خلال السنوات الماضية، لتطرح أسئلة بشأن طبيعة التراخيص التي سمحت بهذه التحولات ومدى احترامها لضوابط البناء في المدينة العتيقة.

وتكتسب القضية بعدا يتجاوز ممتلكات مسؤول إسباني سابق، بالنظر إلى تزامن الأشغال مع ولاية المجلس الجماعي الحالي الذي تولى رئاسته منير ليموري سنة 2021، وهي الفترة نفسها التي شهدت انتقال ملكية المنزل إلى بونو.

وبينما تضع هذه المعطيات منظومة التعمير أمام مساءلة تتعلق بالترخيص والرقابة، تبرز فرضية تضارب المصالح باعتبارها أحد المسارات التي يستوجب التحقيق فيها، دون أن يقدم التقاطع الزمني وحده دليلا على وقوع محاباة أو استفادة غير مشروعة.

وتتجاوز الأسئلة حدود المشروع العقاري نفسه، لتشمل قدرة المؤسسات المكلفة بالتعمير وحماية المآثر على التوفيق بين الاستثمارات السياحية والمحافظة على الخصائص المعمارية للمدينة، خصوصا أن الوكالة الحضرية لطنجة تقر في وثائقها الرسمية بأن المضاربة العقارية وأشغال البناء غير الملائمة ساهمت في اختفاء أو تشويه عدد من البنايات التاريخية.

مرسم تابيرو.. حين تباع الذاكرة

ولم تكن البناية التي شهدت الأشغال عقارا عاديا في أحد أزقة المدينة العتيقة. فالمنزل الأصلي كان الإقامة والمرسم الخاص بالرسام الكتالوني جوزيب تابيرو، الذي اختار طنجة مستقرا له سنة 1876، وظل مقيما فيها حتى وفاته سنة 1913.

وكان المبنى يستعمل في الأصل مسرحا، قبل أن يحوله تابيرو إلى فضاء فني احتضن مقتنياته وأعماله التي وثقت جوانب من الحياة الاجتماعية المغربية، ليحتفظ العقار بمكانة تاريخية مرتبطة بالحضور الثقافي الإسباني في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وانتقلت ملكية المبنى سنة 1992 إلى سيسيليا فرنانديث سوزور، المديرة السابقة لمعهد ثيربانتيس بطنجة. وفي فبراير 2020، طرحت مبادرة لإحياء الوظيفة الثقافية للمنزل وتحويله إلى فضاء يحفظ إرث الفنان، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة قائمة.

وبعد تعثر المشروع، انتهى الأمر ببيع العقار سنة 2021 إلى خوسيه بونو، لتبدأ مرحلة جديدة ارتبطت بأشغال إصلاح واسعة وعمليات اقتناء لعقارات مجاورة.

ومع انتقال الملكية، تراجع احتمال استعادة المنزل لوظيفته الثقافية التي جرى التداول بشأنها قبل البيع، لصالح مشروع سكني توسع تدريجيا خارج حدود البناية الأصلية. ويختلف هذا المسار عن التاريخ الذي عرفه «متحف بنيتاح»، المرتبط هو الآخر بإرث تابيرو في مرحلة لاحقة، والذي لا ينبغي الخلط بينه وبين المرسم الأصلي.

وتطرح هذه التحولات مسألة تتكرر في عدد من المدن التاريخية، وتتعلق بمصير المباني التي تحمل قيمة ثقافية دون أن تتحول بالضرورة إلى مؤسسات عمومية أو متاحف.

فانتقال الملكية إلى مستثمر خاص لا يلغي قيمتها التاريخية، مثلما أن إعادة تأهيلها لا تعني تلقائيا المساس بتراثها. وتبقى طبيعة التدخلات المعمارية ومدى احترامها للقواعد المعمول بها أساس تقييم الأشغال.

هندسة صامتة لابتلاع الجوار

وفي 19 أبريل 2026، كشفت صحيفة “ذي أوبجيكتيف” أن عمليات بونو العقارية لم تتوقف عند حدود مرسم تابيرو، بل امتدت إلى أربعة عقارات مجاورة على الأقل، من بينها النزل القديم المعروف باسم “بنسيون إشبيلية”.

ووفق مصادر من قطاع العقار استندت إليها الصحيفة، جرى ربط هذه المباني من الداخل لتشكيل مجمع سكني واحد، في تدخل شمل إعادة تنظيم المساحات والتجهيزات داخل مجموعة من البنايات المتلاصقة.

ورفعت هذه العمليات المساحة الإجمالية، بحسب تقديرات المصادر نفسها، من نحو 700 متر مربع إلى أكثر من 1800 متر مربع.

وتحدثت الصحيفة عن كلفة أشغال تراوحت بين 1.2 و1.5 مليون يورو، شملت إدماج أخشاب الأرز المنقوش والزليج المغربي، وتركيب مصعد داخلي، فضلا عن تعديلات واسعة في التوزيع الداخلي للمجمع.

ورغم أن هذه الأرقام تظل تقديرات صحفية غير مدعومة بكشوف مالية منشورة، فإنها تقدم صورة عن حجم الاستثمار وطبيعة التحولات التي شهدها العقار.

وتزداد أهمية المعطيات بالنظر إلى ما نشرته الصحيفة لاحقا، في 4 أكتوبر 2026، من صور قالت إنها تعود إلى سنة 2023، تظهر أشغال توسعة عمودية تضمنت إضافة طابق واحد على الأقل فوق البناية الأصلية.

وهنا تتجاوز المسألة قيمة الإصلاحات ونوعية التجهيزات إلى طبيعة التدخلات الهندسية في نسيج عمراني قديم. فربط عدة بنايات متجاورة، وإعادة توزيع مساحاتها، وإضافة مستوى جديد فوق بناء تاريخي، كلها أشغال تستدعي تحديد أثرها على السلامة الإنشائية والخصائص المعمارية، فضلا عن معرفة التراخيص التي استند إليها صاحب المشروع.

وتفتح هذه المعطيات باب التساؤل حول الوثائق التقنية التي قدمت إلى الجهات المختصة، ومدى تطابق الأشغال المنفذة مع التصاميم المرخصة، وما إذا كانت قد خضعت للمراقبة خلال مراحل الإنجاز.

أسئلة تمتد إلى السور التاريخي

ولم تمض سوى 24 ساعة على نشر تفاصيل التوسعة الأولى، حتى كشفت الصحيفة ذاتها، في 20 أبريل 2026، عن مسار عقاري آخر يتمثل في اقتناء خمسة عقارات إضافية بشارع بن الشرقي، بالقرب من المنزل الأصلي.

وجرت العمليات بين أواخر سنة 2023 وسنة 2024، ووردت في وثائق مرتبطة بشركة «Joasa 2012» المملوكة للمسؤول الإسباني الأسبق.

وأظهرت الوثائق، بحسب الصحيفة، مبالغ اقتناء مصرحا بها بلغت 79,897 يورو، و100,000 يورو، و49,981 يورو، و20,022 يورو، و10,000 يورو. وهي أرقام قارنتها مصادر عقارية بالقيم المتداولة في المنطقة، حيث تتيح المواقع القريبة من الواجهة البحرية فرصا استثمارية مرتبطة بالنشاط السياحي.

لكن المبالغ المصرح بها لا تكفي وحدها لإثبات اختلاف غير مشروع بين أسعار الاقتناء والقيم السوقية، خصوصا في غياب تقييم عقاري مستقل يراعي حالة كل بناية ومساحتها ووضعها القانوني.

وتحدثت مصادر الصحيفة عن مشروع لتحويل العقارات الخمسة إلى مجمع فندقي فاخر. وقدمت معطيات عن تصور يتضمن إنشاء درج أو ممر يربط المشروع المحتمل بالواجهة البحرية عبر المجال الذي يشغله السور التاريخي للمدينة العتيقة.

ورغم عدم ثبوت تنفيذ هذا الممر أو صدور ترخيص نهائي بشأنه، فإن طرحه يضيف بعدا جديدا للقضية، لأن الأمر يتصل هذه المرة بمعلمة تاريخية تتجاوز حدود الملكية الخاصة.

فالتدخل في الأسوار، سواء تعلق بإحداث منفذ أو تعديل ممر قائم أو إقامة تجهيزات ملاصقة لها، يفرض التحقق من الوضع القانوني للموقع، والارتفاقات المفروضة عليه، وموافقات الجهات المعنية بحماية التراث.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا عن الحدود التي يمكن أن يبلغها تكييف النسيج التاريخي مع المشاريع السياحية، وعن المعايير التي تعتمدها المؤسسات العمومية في تقييم الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع مقابل آثارها المحتملة على المآثر والفضاءات التاريخية.

علاقات بونو الدبلوماسية وسياق مشاريعه العقارية

وتزامنت العمليات العقارية مع معطيات أخرى نشرتها الصحافة الإسبانية بشأن طريقة استعمال المنزل وإقامة صاحبه بمدينة طنجة.

ففي 21 أبريل 2026، كشفت “ذي أوبجيكتيف” عن ظهور المنزل في إعلانين على منصة “Airbnb”، تضمن أحدهما وصفا للعقار باعتباره قصرا صغيرا، مع صور لتجهيزاته الداخلية، دون أن تتيح الإعلانات إجراء حجوزات خلال الفترة التي فحصتها الصحيفة.

وفي 20 غشت 2026، نشرت الصحيفة معطيات منسوبة إلى مصادر دبلوماسية وأمنية تفيد بأن بونو أقام نحو شهر داخل المقر السكني للقنصلية الإسبانية بطنجة، خلال فترة كان يتابع فيها شؤونا مرتبطة بممتلكاته.

وقد أوضحت الخارجية الإسبانية أن استقبال المسؤولين السابقين في المقرات الدبلوماسية يدخل ضمن صلاحيات رؤساء البعثات، ولا يستلزم بالضرورة الحصول على موافقة مسبقة من الإدارة المركزية.

وتقدم هذه الوقائع جانبا من السياق السياسي والدبلوماسي المحيط بصاحب المشروع، لكنها لا تثبت تدخلا من المؤسسات الإسبانية أو المغربية لفائدته في ملف التراخيص. كما لا تسمح وحدها باستنتاج حصوله على معاملة تفضيلية في تدبير ممتلكاته.

وتبقى الأهمية الصحفية لهذه المعطيات مرتبطة بمكانة المستثمر وطبيعة نشاطه، بينما يستوجب تقييم مشروعية الأشغال العودة إلى الوثائق العمرانية والقرارات الإدارية الصادرة عن الجهات المغربية المختصة.

ولاية ليموري واختبار شفافية التراخيص

هنا تتقاطع العمليات العقارية مع مسارات التدبير المحلي. فقد تزامن اقتناء المنزل سنة 2021، ثم الأشغال التي وثقتها الصور سنة 2023، مع ولاية منير ليموري على رأس جماعة طنجة.

وأعاد تحقيق 4 أكتوبر 2026 إبراز هذا التقاطع، في سياق التطورات القضائية المرتبطة بملف الانتخابات الجزئية في شتنبر الماضي. غير أن اختلاف موضوع الملفين يقتضي الفصل بين التحقيق القضائي المتعلق بالعملية الانتخابية وبين المسؤولية الإدارية عن مراقبة التعمير.

فالتزامن بين الأشغال وولاية رئيس الجماعة لا يثبت وجود اتفاق أو منفعة متبادلة، مثلما أن الكشف عن توسعة بناية تاريخية لا يعني بالضرورة تنفيذها دون ترخيص. لكنه يضع المؤسسات المعنية أمام أسئلة دقيقة يمكن حسم جانب كبير منها من خلال الوثائق.

ويتعلق السؤال الأول بالجهة التي وقعت التراخيص المتعلقة بالأشغال، وما إذا كانت التصاميم المعتمدة تشمل إضافة الطابق الجديد ودمج العقارات المجاورة.

كما يتعلق بمسار دراسة المشروع داخل اللجان المختصة، وبالآراء التي أصدرتها الوكالة الحضرية ومصالح وزارة الثقافة عند الاقتضاء.

ويبرز سؤال آخر بشأن طبيعة الضوابط العمرانية التي كانت سارية سنة 2023، وحدود الارتفاعات والتدخلات المسموح بها داخل القطاع الذي يوجد فيه منزل تابيرو، وما إذا كانت الأشغال تستوجب موافقات خاصة بالنظر إلى موقع العقار وقيمته التاريخية.

وتتوزع المسؤولية هنا بين مستويات مختلفة، تشمل دراسة الملفات، وإصدار الرخص، ومراقبة مطابقة الأشغال، وتفعيل الإجراءات القانونية عند رصد المخالفات.

أما إثبات تضارب المصالح فيقتضي ما يتجاوز وجود المشروع أو توقيته، إذ يستلزم تحديد قرار إداري معين، والمصلحة الشخصية المحتملة المرتبطة به، وطبيعة تدخل المسؤول المعني. ولم تكشف التحقيقات المنشورة حتى الآن عن وثائق تحسم هذه العناصر في قضية بونو.

ولذلك فإن نشر الرخص ومحاضر اللجان والتصاميم المعتمدة من شأنه أن يحدد ما إذا كانت الأشغال قد احترمت المساطر، ويتيح التمييز بين ترخيص قانوني خضع للشروط المعمول بها، ومخالفة عمرانية محتملة، وأي شبهة معاملة تفضيلية قد تظهر من الوثائق.

أرقام تكشف الضغط على النسيج العمراني

وخلف النقاش حول التراخيص، تقدم الوكالة الحضرية لطنجة تشخيصا رسميا للتحديات التي تواجه التراث المعماري للمدينة. وتقر المؤسسة بأن المضاربة العقارية والضغط العمراني وتقادم البنايات وضعف الصيانة، إلى جانب أشغال الترميم غير الملائمة، ساهمت في اختفاء أو تشويه مبان تاريخية.

وتبلغ مساحة المدينة العتيقة داخل الأسوار نحو 26 هكتارا، تحيط بها أسوار يبلغ طولها التقريبي 2200 متر. وفي هذا المجال المحدود توجد 2508 بنايات، بكثافة تصل إلى نحو 96 بناية في الهكتار الواحد، بينما تتوزع الأزقة والمسالك داخل نسيج عمراني متراص يغلب عليه التنقل مشيا.

وتظهر الأرقام الرسمية تفاوتا لافتا بين المساحات السكنية السائدة وحجم المجمع العقاري الذي تتحدث عنه التحقيقات الإسبانية. فمساحة السكن لا تتجاوز 30 مترا مربعا في 47 في المئة من المنازل، ولا تتعدى 50 مترا مربعا في 72 في المئة منها، بينما تقل عن أو تساوي 80 مترا مربعا في 88 في المئة من الحالات.

وفي المقابل، تتحدث المصادر العقارية التي استندت إليها «ذي أوبجيكتيف» عن مجمع سكني يتجاوز 1800 متر مربع بعد ضم العقارات المجاورة.

ولا تمثل المقارنة دليلا على وجود مخالفة، لكنها تكشف اختلاف حجم الاستثمارات العقارية داخل مجال عمراني يتميز بصغر المساحات السكنية وارتفاع الكثافة.

وتزيد طبيعة الحيازة العقارية من أهمية التحولات الجارية. فبحسب الوكالة الحضرية، تبلغ نسبة المستأجرين نحو 60 في المئة، مقابل 40 في المئة من المالكين، فيما تتجاوز حصة الملكية الخاصة 80 في المئة من مجموع العقارات داخل المدينة العتيقة.

وتطرح هذه التركيبة أسئلة بشأن قدرة السكان على الاستمرار داخل الأحياء التاريخية مع ارتفاع جاذبيتها الاستثمارية، خصوصا بالنسبة للأسر المستأجرة التي تتأثر بتغير استعمال العقارات أو انتقال ملكيتها.

وتشير الوكالة أيضا إلى أن عدد المباني والمواقع التاريخية المصنفة أو المقيدة بمدينة طنجة بلغ 126 موقعا إلى غاية سنة 2024. ويشمل هذا الرقم التراث الموجود داخل المدينة العتيقة وخارجها، ولا يعكس وحده مجموع المباني التي تخضع لحماية عمرانية أو لارتفاقات مرتبطة بمواقعها.

وتكتسب هذه المعطيات قيمة خاصة لأنها تصدر عن المؤسسة المكلفة بالتخطيط العمراني، وتثبت أن المخاطر التي تواجه تراث طنجة تتجاوز قضية واحدة أو مشروعا بعينه.

جراح مفتوحة في جسد المآثر

وتندرج قضية منزل تابيرو ضمن نقاش أوسع شهدته طنجة خلال السنوات الأخيرة بشأن طبيعة التدخلات في المباني والمواقع التاريخية.

ففي سنة 2025، تضمنت الأسئلة البرلمانية رقم 21772 و21773، التي وجهتها النائبة نبيلة منيب إلى وزارتي الداخلية والثقافة، اتهامات تتعلق بإقامة حاجز ومنع الولوج إلى ممر تاريخي يربط ساحة باب المرسى بدار البارود، قرب فندق كونتيننتال. وطالبت الأسئلة بالكشف عن الأساس القانوني للأشغال ومدى احترامها لطبيعة الفضاء العمومي التاريخي.

وفي السنة نفسها، أثار السؤال البرلماني رقم 22365 للنائبة سلوى البردعي ملاحظات بشأن أشغال إعادة تهيئة سور المعكازين، شملت انتقادات لاستعمال مواد اعتبرها محتجون غير ملائمة وتغطية نقوش تاريخية بالإسمنت. كما طرحت النائبة مسألة إشراك المختصين واحترام متطلبات الترميم.

وتبقى هذه المعطيات اتهامات وملاحظات وردت في إطار الرقابة البرلمانية، ولا تمثل وحدها إثباتا قضائيا أو تقنيا بوجود مخالفات. لكنها توثق استمرار الخلاف حول بعض التدخلات في التراث المعماري، وحاجة الرأي العام إلى الاطلاع على الدراسات والرخص التي تؤطرها.

وامتد الجدل إلى مبان تديرها مؤسسات عمومية، كما حدث في دجنبر 2025 بشأن أشغال ترميم المقر السابق للقنصلية البريطانية، الذي يشغله جهاز تابع لوزارة الثقافة.

فقد أثارت طريقة الإنجاز انتقادات من فاعلين مهتمين بالتراث، بينما أكدت المديرية الجهوية للثقافة أن المشروع يهدف إلى صيانة البناية والحفاظ على عناصرها التاريخية، وأن الأشغال تجري بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وتكتسب القضية أهميتها لكون المبنى مقيدا ضمن التراث الوطني منذ سنة 2007، وهو ما يجعل النقاش مرتبطا بمعايير الترميم وآليات التواصل بشأن التدخلات، حتى عندما يتعلق الأمر بمشاريع تشرف عليها المؤسسات المكلفة بالحماية نفسها.

وفي مقابل الاستثمارات الخاصة التي تتجه نحو إعادة تأهيل مبان قديمة وتحويلها إلى إقامات أو مشاريع سياحية، تواجه أجزاء أخرى من المدينة العتيقة تحديات مختلفة ترتبط بتقادم البنايات ومخاطر الانهيار.

وقد استدعى ذلك تخصيص غلاف مالي بقيمة 125 مليون درهم لبرنامج معالجة المباني الآيلة للسقوط خلال الفترة 2025 إلى 2028، بمساهمة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، بواقع 26.5 مليون درهم لكل منهما، ومجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة وجماعة طنجة، بواقع 36 مليون درهم لكل جهة.

وتكشف المقارنة بين البرنامج العمومي ومشاريع التأهيل الخاصة عن اختلاف التحديات داخل النسيج التاريخي. فبينما تتجه استثمارات إلى اقتناء العقارات وإعادة تجهيزها لأغراض سكنية أو سياحية، تحتاج بنايات أخرى إلى تدخلات مرتبطة بالسلامة الإنشائية وصيانة المساكن وحماية سكانها.

ولا ينفي وجود مشاريع خاصة لإعادة التأهيل ما يمكن أن توفره من إمكانات لصيانة العقارات المهملة، لكنه يطرح ضرورة إخضاع مختلف التدخلات لمعايير تحفظ الخصائص التاريخية وتراعي استمرار الوظيفة السكنية للمدينة.

الإحلال الاجتماعي.. حين تتغير وظيفة الأحياء التاريخية

هذه التحولات العمرانية والاجتماعية سبق أن تناولتها دراسة أكاديمية للباحثين أنور واصيني ونبيل واصيني، نشرت سنة 2021 في مجلة الدراسات الآسيوية والأفريقية، بعنوان “بين صخرة وقصبة: الإحلال الاجتماعي السياحي وإعادة تقديم الثقافة والهوية في طنجة”.

وقد تناولت الدراسة أثر التحول السياحي في حي القصبة، والعلاقة بين الاستثمار العقاري والتغيرات التي طرأت على التركيبة الاجتماعية للسكان، فضلا عن دور المستثمرين والمقيمين الأجانب في إعادة تقديم الثقافة المحلية ضمن النشاط السياحي.

وتشير نتائج الباحثين إلى أن الإحلال الاجتماعي المرتبط بالسياحة أسهم في انتقال بعض السكان الأصليين من المجال المدروس، وأعاد تشكيل العلاقات بين السكان والمستثمرين والوافدين، في سياق تغير استعمال المباني وارتفاع الاهتمام الاقتصادي بالأحياء التاريخية.

وتكتسب الدراسة أهميتها لأنها تقدم خلفية علمية لفهم الضغوط الاجتماعية المصاحبة للاستثمار السياحي في طنجة، لكنها سبقت العمليات العقارية التي كشفت عنها الصحيفة الإسبانية، ولا تقدم معطيات مباشرة عن عقارات بونو أو عن إخلاء سكان بسبب مشاريعه.

ومع ذلك، فإن اقتناء عدة مبان متجاورة بهدف إقامة مجمع سكني واسع أو مشروع فندقي محتمل يطرح أسئلة مشابهة لتلك التي ناقشتها الدراسة، خصوصا ما يتعلق بتغير وظيفة العقار داخل الأحياء التاريخية، وحدود التوازن بين التثمين السياحي واستمرار السكن التقليدي.

فالرهان لا يتعلق بالمحافظة على الواجهات وحدها، بل يشمل أيضا طبيعة النشاط الذي تحتضنه البنايات، وإمكانية استمرار السكان والحرف والخدمات التي شكلت عبر عقود جزءا من الحياة اليومية للمدينة العتيقة.

قوانين الحماية وامتحان التطبيق

أمام هذه التحولات، تبرز مسألة الإطار القانوني الذي يحكم التدخل في المباني التاريخية.

فالأشغال التي وثقتها صور سنة 2023 جرت خلال العمل بالقانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمواقع والنقوش والتحف الفنية والعاديات، إلى جانب تشريعات التعمير ووثائق التخطيط التي تحدد شروط البناء والإصلاح والارتفاعات داخل المجالات الحضرية المختلفة.

ويفرض هذا الإطار التمييز بين المباني المصنفة والمقيدة بقرارات رسمية، وبين العقارات غير المصنفة بصورة فردية لكنها تقع ضمن قطاعات تاريخية أو بجوار مآثر تخضع لارتفاقات حماية.

ولا يعني عدم العثور على قرار تصنيف يحمل اسم منزل تابيرو أن العقار خارج كل حماية قانونية. فقد تترتب على موقعه داخل المدينة العتيقة التزامات عمرانية ومعمارية مستقلة عن التصنيف الفردي، ويتوقف تحديدها على الوثائق التي كانت نافذة عند إنجاز الأشغال.

وتصبح معرفة الوضع القانوني الدقيق للمنزل، وطبيعة القطاع الذي ينتمي إليه، والضوابط المنظمة للارتفاعات والإصلاحات فيه، خطوة أساسية للحكم على مدى مطابقة التوسعة للقانون.

وفي سنة 2025، صدر القانون رقم 33.22 المتعلق بحماية التراث، متضمنا مقتضيات أوسع لحماية المجموعات التاريخية والمواقع ذات القيمة الثقافية والمعمارية. غير أن تقييم أشغال سنة 2023 يقتضي الرجوع إلى النصوص التي كانت سارية في تاريخ تنفيذها، مع ضرورة التحقق من الوضع التنظيمي للقانون الجديد والنصوص اللازمة لتطبيقه.

وبموازاة ذلك، نشرت الوكالة الحضرية سنة 2026 مشروع تصميم تهيئة طنجة المدينة، متضمنا ضوابط لحماية النسيج التاريخي، وتنظيم تدخلات الترميم والبناء، والمحافظة على المآثر والأسوار.

ويظل تحديد القيمة الإلزامية لهذه المقتضيات مرتبطا باستكمال مسطرة المصادقة على الوثيقة ودخولها حيز النفاذ. لذلك لا يصح الاحتجاج بمشروع تصميم التهيئة لسنة 2026 لإثبات مخالفة تعود إلى سنة 2023 دون العودة إلى الوثيقة التي كانت تحكم المنطقة آنذاك.

وتكشف هذه المستويات القانونية المتداخلة أن حماية التراث لا تتوقف على وجود نص تشريعي عام، بل تعتمد أيضا على دقة وثائق التعمير، ووضوح شروط الترخيص، وفعالية المراقبة، وقدرة المؤسسات على التحقق من مطابقة الأشغال لما صادقت عليه.

وتعيد قضية عقارات خوسيه بونو هذه الأسئلة إلى مستوى أكثر تحديدا. فالصور المنشورة توثق أشغال توسعة عمودية، والتحقيقات الإسبانية تتحدث عن دمج عقارات مجاورة ومشروع فندقي محتمل، بينما لم تنشر بعد الوثائق الإدارية التي تحدد الأساس القانوني لهذه التدخلات.

وإذا كانت الوكالة الحضرية نفسها تقر بأن المضاربة العقارية وأشغال الإصلاح غير الملائمة ساهمت في تشويه جزء من التراث المعماري لطنجة، فإن معرفة كيفية التعامل مع هذه العمليات تصبح ضرورية لتقييم فعالية منظومة الحماية.

ويبقى ملف التراخيص الصادرة سنة 2023 نقطة الحسم في القضية. فمن خلال التصاميم المعمارية المعتمدة، ومحاضر اللجان التقنية، وآراء المصالح المكلفة بالتراث، والقرارات التي سمحت بالأشغال، يمكن تحديد ما إذا كانت إضافة الطابق ودمج البنايات قد احترما الضوابط العمرانية، ومن تحمل مسؤولية الترخيص والمراقبة.

أما السؤال الذي يتجاوز منزل بونو، فيتعلق بمدى استعداد المؤسسات المعنية لإتاحة هذه الوثائق وإخضاع التدخلات في العقارات التاريخية لرقابة تضمن أن تكون حماية تراث طنجة التزاما ملزما عند اتخاذ القرار، لا مطلبا يستعاد بعد انتهاء الأشغال.

لا توجد تعليقات