80 مليون درهم تحت التراب.. لماذا تستمر طنجة في دفع فاتورة طمر النفايات؟

مع اقتراب العام 2027، تضع طنجة جانبا 80 مليون درهم لهدف وحيد، التخلص من نفاياتها في محطتها النهائية بمركز سكدلة.

وللوهلة الأولى، قد يبدو الرقم مجرد سطر روتيني في ميزانية جماعة تتجاوز مداخيلها 1.24 مليار درهم. لكن، حين ننبش في طبقات هذا الملف، تتكشف قصة أعمق من مجرد نقل أطنان القمامة ودفنها، قصة مشروع كان يفترض أن ينهي عهد الطمر العشوائي، قبل أن يجد نفسه غارقا في أزمات عقود، وتدبير مؤقت طال أمده، ومخاوف بيئية لم تتبدد.

وخلف هذه الملايين المتتالية، يختبئ مسار تعثرت فيه رؤية طموحة. فمن 72 مليون درهم كلفة للطمر في 2024، قفز الإنفاق المنجز إلى نحو 83 مليون درهم في 2025، ليحط الرحال مجددا عند 80 مليون درهم في ميزانية 2027.

والمفارقة هنا أن “النهاية” التي تدفع طنجة ثمنها اليوم، هي ذاتها التي كان يفترض للمشروع أن يقلص حجمها. فكل طن من النفايات يفرز أو يدور أو يحول إلى وقود بديل، هو طن لا يحتاج إلى مساحة جديدة داخل خلايا الطمر، وكلما تقلص التثمين، اتسعت الحاجة إلى خلايا جديدة وكلفة إضافية.

وعود التثمين التي تبخرت

في البدء، كان الرهان كبيرا. حين فتح مركز سكدلة أبوابه، لم يكن الهدف مجرد إغلاق المطرح القديم والتخلص من الصورة النمطية للمكبات المفتوحة، بل إن المشروع اندرج ضمن تصور حديث يقوم على طمر مراقب، مقرون بالفرز والتدوير والتثمين ومعالجة العصارة. غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم باختلالات في التنفيذ والتدبير.

ففي صيف 2023، انهار العقد المبرم مع شركة “أفيردا”، والذي قاربت كلفته الإجمالية 994 مليون درهم. وكان السبب المعلن واضحا، الإخلال بالتزامات تعاقدية، وعلى رأسها تثمين النفايات ومعالجة “العصارة”، وهي السائل شديد التلوث الذي ينتج من تحلل النفايات وتسرب المياه عبرها.

ولم يكن ذلك مجرد تعثر إداري، بل ضربة في صميم الفلسفة التي قام عليها المشروع. فعندما لا يجري التثمين بالمستوى المنتظر، تتدفق كميات أكبر نحو خلايا الطمر لتدفن، وعندما تتعثر معالجة العصارة، يتحول الجانب البيئي من إحدى وظائف المركز إلى مصدر ضغط ومخاطر تحتاج بدورها إلى معالجة مستقلة.

“أرما”.. حين يتحول المؤقت إلى قاعدة

وفي خضم هذا الفراغ، لم تكن طنجة تملك ترف الانتظار. فالنفايات لا تتوقف عن التدفق يوما واحدا، كما أن مركز الطمر لا يستطيع إغلاق أبوابه ريثما تنتهي المؤسسات من إجراءات التعاقد. وهنا برز اسم “أرما” لضمان استمرارية المرفق بعد إنهاء تجربة “أفيردا”.

وكانت الشركة تدير أصلا جزءا من قطاع النظافة بالمدينة، قبل أن تدخل مرحلة التدبير الانتقالي للمركز. وفي بيان لها خلال مايو 2024، أوضحت مجموعة “أرما هولدينغ” أنها تقدمت لطلب عروض يتعلق بإدارة المركز وإعداد خلية جديدة، ضمن صفقة انتقالية حددت مدتها في 12 شهرا. لكن عجلة الزمن دارت، فيما امتدت المرحلة الانتقالية إلى ما بعد الإطار الزمني الذي كان مطروحا في البداية.

وفي يونيو 2025، عادت مؤسسة “البوغاز” لتطرح طلب عروض دولي جديد لتدبير المركز. وبينما لا يمكن تحميل الشركة الحالية مسؤولية أصل المشكلات التي ورثتها عن التجربة السابقة، تظل الأسئلة معلقة حول ما تحقق فعليا خلال هذه المرحلة الانتقالية، سواء على مستوى معالجة العصارة، أو تثمين النفايات، أو تقليص الكميات الموجهة نحو خلايا الطمر.

وبذلك، فإن تقييم هذه المرحلة لا يرتبط فقط باستمرار استقبال الشاحنات وضمان عدم توقف المرفق، بل كذلك بمدى التقدم نحو الوظائف التي أنشئ المركز من أجلها أصلا، وفي مقدمتها خفض الاعتماد على الطمر.

العصارة تتسلل إلى البرلمان

ولم تبق أزمة سكدلة حبيسة أسوار المركز، بل انتقلت أصداؤها إلى قبة البرلمان. ففي سؤال كتابي رسمي، نقل النائب عبد القادر الطاهر شكاوى للسكان المجاورين من الروائح وتسرب العصارة إلى الأراضي المحيطة، وأثار مخاوف مرتبطة بتأثير ذلك في المياه الجوفية والبيئة.

ورغم تفاعل الوزارة الوصية مع الملف في يناير 2024، عاد الموضوع ليطفو على السطح في 2025 بحدة أكبر، وسط اتهامات برلمانية استندت إلى تقارير محلية تحدثت عن نقل العصارة عبر صهاريج نحو محطة ضخ ساحلية.

ومع غياب معطيات تقنية حاسمة تثبت تصريف العصارة مباشرة في البحر من دون معالجة، تظل هذه المعطيات في حدود اتهامات ومساءلة رسمية تحتاج إلى حسم تقني وإداري.

غير أن عودة الملف إلى البرلمان مرة أخرى تطرح بدورها سؤالا أوسع من مجرد طريقة التخلص من العصارة، يتعلق بمدى كفاية البنية التحتية المخصصة لمعالجتها، ونجاعة التجهيزات التي كان يفترض أن تتكفل بها، ثم قدرة المركز على استيعاب الكميات المنتجة يوميا من هذه المادة.

ومن هنا، فإن المشكلة تتجاوز اسم الشركة المشغلة لتسائل البنية التقنية للمركز، وشروط التعاقد، وآليات المراقبة، ومدى نجاعة الاستثمارات السابقة في معالجة واحد من أكثر مخلفات الطمر حساسية من الناحية البيئية.

استثمارات جديدة لوظائف قديمة

واليوم، وبعد سنوات قليلة من تشغيل المركز، تجد طنجة نفسها أمام مشروع جديد بكلفة إجمالية تناهز 1.62 مليار درهم، فيما تصل المساهمات العمومية المبرمجة خلال 2027 و2028 إلى نحو 600 مليون درهم، موزعة بين وزارة الداخلية، ومؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز”، ومجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة.

ويستهدف التصور الجديد تأهيل منشآت المركز، وإحداث أحواض جديدة، وإغلاق وتأهيل الأحواض السابقة، إلى جانب تجهيزات لمعالجة العصارة والتحكم في مياه الأمطار، ومركز للفرز، ومنشآت لإنتاج السماد والوقود البديل والغاز الحيوي، مع بلوغ نسبة تثمين لا تقل عن 20 في المئة من النفايات المنزلية.

وهذه المكونات تعيد النقاش إلى جوهره. فإذا كانت طنجة تحتاج اليوم إلى تمويل جديد لإنشاء أو تأهيل تجهيزات تقع في صميم الوظائف التي كان يفترض أن يقوم عليها المركز منذ البداية، فإن التقييم لا يجب أن ينحصر في سؤال من أخل بالعقد، بل يمتد إلى سؤال آخر، ماذا تحقق فعليا من التصور الأول للمشروع، ولماذا لم تنتقل المنظومة بالسرعة المنتظرة من سياسة الطمر إلى سياسة الاسترداد والتثمين؟

وحتى هدف الـ20 في المئة يظل مؤشرا على حجم التحدي، إذ يعني، في حال الاكتفاء بالحد الأدنى المستهدف، أن الجزء الأكبر من النفايات سيظل خارج مسار التثمين وسيواصل التوجه نحو خلايا الطمر.

وتزداد الصورة تعقيدا بالنظر إلى الجانب العقاري. ففي أغسطس 2024 صدر مرسوم يعلن المنفعة العامة لإحداث مطرح عمومي لطمر وتثمين النفايات بمنطقة سكدلة، ونزع ملكية الأراضي اللازمة للمشروع، ثم ظهرت في سبتمبر 2026 إجراءات قضائية إدارية مرتبطة بتسوية نقل ملكية قطعة أرضية تبلغ مساحتها 100 هكتار لفائدة مؤسسة “البوغاز”.

وهكذا يتقاطع في ملف واحد الاستثمار والتدبير والتعاقد والعقار والبيئة، بينما يبقى الطمر الحلقة التي تستوعب القسم الأكبر من النفايات وتستهلك عشرات الملايين من الدراهم سنويا.

مدينة تدفع مقابل النهاية

إن اختزال هذه الأزمة الممتدة في اسم الشركة الحالية يمنح صورة مجتزأة. فالمسؤولية تتوزع بين مفوض سابق أخل بالتزاماته التعاقدية، ومدبر انتقالي تسلم مرفقا قائما واستمرت مرحلته مدة أطول من المتوقع، ومؤسسات عمومية تتولى التخطيط والتعاقد والاستثمار والمراقبة.

وفي المقابل، فإن استمرار الطمر بهذا الحجم يطرح أسئلة تتجاوز هوية المدبر. فكل ضعف في الفرز يعني مزيدا من النفايات المتجهة نحو سكدلة، وكل تأخر في التثمين يعني استهلاكا أسرع للخلايا، وكل قصور في معالجة العصارة يضيف كلفة بيئية وتقنية جديدة إلى المنظومة.

وبين عقد “أفيردا” الذي انتهى قبل أوانه، ومرحلة “أرما” التي بدأت كحل انتقالي، والاستثمارات الجديدة التي تعيد بناء أجزاء من منظومة التثمين والمعالجة، تبقى الـ80 مليون درهم المرصودة للطمر في 2027 مؤشرا على أن طنجة ما زالت تدفع ثمنا مرتفعا مقابل الحلقة الأخيرة من سلسلة النفايات.

ويبقى الاختبار الحقيقي بعيدا عن حبر الصفقات وحجم الاعتمادات، في كمية النفايات التي ستنجح المدينة فعليا في إخراجها من مسار الطمر. فبعد كل هذه العقود والاستثمارات، يظل السؤال قائما، كم طنا من نفايات طنجة سيواصل الوصول إلى سكدلة بحثا عن خلية جديدة تحت الأرض؟

لا توجد تعليقات