بين دعوات تتكرر للاستثمار، وصيغ تتبدل للبيع والشراكة، تقف المدينة التي أريد لها أن تواكب الطفرة الصناعية الكبرى في شمال المغرب أمام سؤال قديم يعاند النسيان: من سيبني الشرافات، ومن سيشتري فيها؟
على الورق، تبدو المعادلة بالغة الإغراء. موقع استراتيجي يربط طنجة بمينائها المتوسطي وتطوان، ومنطقة صناعية كبرى في الجوار، وأراض مجهزة، وبرنامج حكومي يدعم اقتناء السكن.
كما أنها مدينة خطط لها منذ البداية لتستوعب عشرات الآلاف من المساكن، فيما تضيف مجموعة العمران إلى ذلك وصفا تسويقيا لا يخلو من الثقة، داعية المستثمرين إلى ضخ الحياة في مشاريعهم انطلاقا من هذا الموقع.
لكن تواتر هذه الدعوات بدأ، في المقابل، يطرح تساؤلات مغايرة حول الأسباب التي تجعل المدينة الخضراء تحتاج إلى كل هذا الإلحاح لجذب صناع العقار.
نداءات في غرف الانتظار
ومنذ مارس 2025 وحتى شتنبر 2026، لم تتوقف طلبات إبداء الاهتمام، وعروض الجزر العقارية، وحملات البيع عبر “الشباك المفتوح”، قبل أن تعود العمران أواخر شتنبر الجاري إلى السوق بطلب جديد يبحث عن شراكة مع المنعشين لإنجاز برنامج عقاري مندمج.
ولا تفصح هذه الوثائق عن رفض المستثمرين لمدينة الشرافات، كما لا تنشر الجهة الوصية حصيلة واضحة للذين طرقوا بابها ثم غادروه. غير أن تكرار العمليات يرسم صورة لمدينة لم تنجح بعد في تحريك رأس المال الخاص بالوتيرة التي يفترض أن ترافق مشروعا بهذا الحجم.
وليست المشكلة في ندرة الوعاء العقاري، فالوثائق تتحدث عن أراض مجهزة ومحفظة ومصنفة للبناء، تصل مساحة بعضها إلى 52 ألف متر مربع. وهنا يتغير جوهر السؤال، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على توفر الأرض، بل أصبح مرتبطا بوجود سوق حقيقية تكفي لإقناع المستثمر بوضع لبنته الأولى.
حلم تجاوز فكرة السكن
ولدت الشرافات بحلم يتجاوز فكرة التجمع السكني التقليدي. فعندما وضع المشروع على طاولة التخطيط، كان التصور يقوم على إنشاء قطب حضري يمتص جزءا من الطلب السكني الذي سيفرزه نمو ميناء طنجة المتوسط ومصنع رونو والمنظومة الصناعية المرافقة لهما.
وكان الهدف واضحا منذ البداية، منح شمال المغرب مركزا حضريا مستقلا لا يعيش في ظل طنجة أو تطوان، بل يستفيد من موقعه بين المدينتين ومن قربه من واحد من أكبر الأقطاب الصناعية بالمملكة.
وعلى بعد نحو 18 كيلومترا من طنجة، كان المخطط يطمح إلى استقبال نحو 150 ألف نسمة داخل أكثر من 30 ألف وحدة سكنية، إلى جانب مرافق وخدمات يفترض أن تمنع تحول المشروع إلى مجرد “مدينة نوم” ملحقة بالمصانع المجاورة.
لكن بوادر التردد ظهرت مبكرا. ففي يناير 2011، كان أول اختبار لإقبال المنعشين باهتا مقارنة بحجم التصور. ورغم سحب ملفات العرض، لم يتقدم سوى منعش واحد، بينما كان العقاريون يضعون أمامهم حسابات تشمل كلفة الانطلاق في منطقة لا تزال في طور التشكل، وبعد السوق عن طنجة، وانتظار اتضاح حجم الطلب المرتبط بالتحول الصناعي الجديد.
وبعد نحو 15 سنة، ورغم الشراكات التي عقدت خلال هذه الفترة، يعود السؤال نفسه ليفرض إيقاعه: لماذا تتأخر عجلة الاستثمار الخاص؟
مأزق يتجاوز حدود الجغرافيا
ولا تبدأ قصة التعثر من طنجة، كما لا تنتهي عند حدود الشرافات. فالمجلس الأعلى للحسابات رسم، في تقريره السنوي، صورة ثقيلة لتجربة المدن الجديدة الأربع في المغرب.
وتشير لغة الأرقام إلى أنه حتى نهاية 2023، بلغ مجموع سكان هذه المدن مجتمعة نحو 169 ألف نسمة فقط، من هدف أصلي قارب المليون نسمة.
كما لم تنجز سوى نحو 71 ألف وحدة سكنية من أصل 350 ألف وحدة مقررة، فيما لم تتجاوز نسبة إنجاز التجهيزات 26 في المئة، رغم أن هذه المشاريع استهلكت استثمارات فاقت 24 مليار درهم.
وتكشف هذه المعطيات مفارقة واضحة، فالمال سبق السكان. فالدولة تضخ الاستثمارات في البنية التحتية وتنتظر دخول القطاع الخاص، بينما ينتظر المنعش ظهور سوق حقيقية، وفي المقابل يبقى المشتري في انتظار مدينة مكتملة بما يكفي للسكن والحياة.
وعندما يتأخر طرف واحد من هذه المعادلة، يتعطل الباقون. ولعل فسخ أكثر من نصف اتفاقيات الشراكة مع المنعشين الخواص داخل المدن الجديدة يلخص عمق هذا المأزق، حتى وإن كانت هذه النسبة تشمل المشاريع الأربعة مجتمعة ولا تخص الشرافات وحدها.
جيل جديد من التنقل يربك الحسابات
وما يجعل وضع الشرافات أكثر إثارة للتساؤل اليوم أن عددا من مبررات الأمس لم يعد قائما.
فطنجة المتوسط تحول إلى قطب صناعي ولوجستي كبير، وصناعة السيارات توسعت، كما جاءت المصانع محملة بفرص عمل جديدة.
ومع ذلك، لم تتحول هذه الطفرة، بالقدر نفسه، إلى طلب عقاري متدفق على الشرافات بحلول عام 2026.
ويبرز هنا أحد التفسيرات المحتملة المرتبطة بتحول أنماط التنقل. فالعمال والأطر الذين يشتغلون بالمناطق الصناعية لم يعودوا مضطرين بالضرورة إلى السكن بجوار المصنع، بعدما سمحت شبكات الطرق ومنظومات نقل المستخدمين لهم بالبقاء في طنجة أو تطوان والوصول إلى أماكن عملهم يوميا.
وبذلك تكون إحدى الفرضيات التي قام عليها المشروع منذ البداية قد فقدت جزءا من قوتها. فالقرب من المصنع لم يعد يعني بالضرورة أن العامل أو الإطار سيختار السكن بالقرب منه، خصوصا إذا ظل المركز الحضري الأكبر يوفر له خدمات ومدارس وتجارة وحياة يومية أوسع.
ويعرف المنعش العقاري بدوره أن قرار شراء السكن لا يرتبط بسعر الشقة فقط، بل يتشابك مع توفر المدرسة، والتجارة، والمستشفى، والنقل، وحركة الحياة اليومية. ولهذا يركز الخطاب التسويقي للعمران على إبراز الموقع والمسافات الزمنية التي تفصل المدينة عن محيطها الحضري والصناعي.
مدينة تبحث عن أسباب الحياة
وفي محاولة لتسريع القرار الاستثماري، طرحت العمران أراضي بأسعار تتراوح بين 950 و1000 درهم للمتر المربع، كما قدمت تخفيضات بلغت 10 في المئة خلال يوليوز الماضي.
ولا يعني التخفيض، في لغة السوق العقارية، إدانة للمشروع، لكنه يكشف رغبة البائع في دفع المستثمر إلى اتخاذ القرار بوتيرة أسرع.
وفي الاتجاه نفسه، تحاول الجهة الوصية تقليص مخاطر المستثمرين عبر ربط جانب من العرض ببرنامج الدعم المباشر للسكن، بالتوازي مع مساعي جلب تجهيزات كبرى تصنع الفارق، من بينها الاتفاق المتعلق بإنشاء قطب جامعي واستشفائي على مساحة 10 هكتارات.
وتلامس هذه الخطوات جوهر المعضلة، فالمدينة لا تصبح مدينة بمجرد تراص العمارات، وإنما تحتاج إلى أسباب تدفع الناس إلى التوجه إليها حتى عندما لا يبحثون عن شقة.
فالجامعة والمستشفى والمدرسة والتجارة والنقل والخدمات لا تأتي في هامش المشروع، بل تصنع السوق التي يبحث عنها المستثمر نفسه.
ومن هنا، لم يعد التحدي الحقيقي أمام الشرافات العثور على مشتر لقطعة أرض فقط، بل الوصول إلى تلك اللحظة التي لا تضطر فيها الدولة إلى نشر إعلان بعد آخر للبحث عنه.
في 2011 كان المنعشون ينتظرون، وفي 2026 لا تزال الإعلانات تناديهم.
وبين التاريخين تغيرت طنجة، وتوسعت صناعتها، وتمددت طرقها، وتحول ميناؤها إلى قطب اقتصادي ضخم. أما الشرافات فما تزال تخوض الاختبار الأصعب، كيف تنتقل من مشروع خططت له الإدارة، إلى مدينة تنبض بحياة تجعل السوق راغبا في إكمال بنائها.

