الشمال نيوز من طنجة
لم يكن القائمون على أحد المشاريع السكنية بمنطقة العوامة في طنجة يتوقعون على الأرجح أن تتحول بناياته إلى مادة للمقارنة مع سجن مسلسل “Prison Break” الأميركي الشهير.
لكن الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأظهرت عمارات متقابلة وواجهات داخلية شديدة التقارب، أطلقت موجة من الانتقادات تجاوزت الشكل المعماري إلى طبيعة الحياة التي تنتظر الأسر داخل هذا التجمع السكني.
فخلف التشبيهات الساخرة والأسئلة التي أثارتها الصور، تبرز قضية اجتماعية تتعلق بنوعية السكن الذي تستطيع الأسر اقتناءه في مدينة تتزايد فيها الضغوط العقارية، وحيث يمثل امتلاك شقة بالنسبة إلى كثيرين نهاية لسنوات من الكراء والادخار والالتزامات المالية.
وأعاد الجدل حول المشروع طرح سؤال يتجاوز مدى احترام قواعد البناء، ليتعلق بقدرة الشقق على توفير شروط العيش اليومي، من إنارة طبيعية وتهوية وخصوصية، فضلا عن الفضاءات المشتركة التي يحتاج إليها الأطفال والعائلات.
من حلم امتلاك شقة إلى هواجس الخصوصية
وتظهر الصور المتداولة بنايات متعددة الطوابق تطل نوافذها وشرفاتها على واجهات متقابلة، وهو ما دفع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى استحضار المشاهد الداخلية لسجن “Prison Break”، في مقارنة تعكس حجم الاستغراب من طبيعة التصميم.
وبعيدا عن المبالغة التي قد تنطوي عليها هذه المقارنات، فإن تقارب النوافذ والشرفات يطرح أسئلة بشأن الحياة اليومية داخل الشقق، خصوصا عندما تصبح ممارسة الأنشطة المنزلية مرتبطة بالحاجة إلى إغلاق الستائر أو الحد من استعمال الشرفات حفاظا على الخصوصية.
ولا تسمح الصور وحدها بتقييم مستويات الإنارة والتهوية بصورة دقيقة، لكنها تكشف عن انشغال اجتماعي يتصل بمدى ملاءمة التصميم الهندسي لحاجيات الأسر، وليس فقط بعدد الوحدات السكنية التي يتيح إنجازها.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية بالنسبة إلى الأسر التي تضم أطفالا أو كبارا في السن، والذين يقضون فترات أطول داخل المنزل، ويحتاجون إلى فضاءات توفر الراحة والهدوء والإضاءة الطبيعية.
التزام مالي طويل الأمد
وتظهر نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن 42.3 في المائة من الأسر الحضرية بعمالة طنجة أصيلة تسكن بالإيجار، مقابل 47.6 في المائة تمتلك مساكنها.
وتعكس هذه الأرقام أهمية سوق السكن بالنسبة إلى الأسر التي تسعى إلى الانتقال من الكراء إلى الملكية، وما يرتبط بهذا القرار من تضحيات مالية تمتد في حالات كثيرة لسنوات.
ووفق المعطيات التسويقية المنشورة من طرف المطور العقاري، يضم المشروع نحو 1000 شقة موزعة على 36 عمارة وثلاث مجموعات سكنية، بمساحات تتراوح بين 50 و72 مترا مربعا.
وفي المقابل، نقلت تقارير صحافية عن مشترين أن مساحات بعض الشقق تتراوح بين 46 و56 مترا مربعا، وأن أسعارها تبدأ من نحو 45 مليون سنتيم (450 ألف درهم).
وأثارت إفادات بعض الزبائن بشأن مطالبتهم بأداء مبالغ إضافية خارج الأثمان المضمنة في الوثائق الرسمية تساؤلات حول شفافية المعاملات العقارية، دون أن تتوفر نتائج تحقيق رسمي تثبت صحة هذه الاتهامات.
وبالنسبة إلى الأسرة التي تعتمد على مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض لاقتناء مسكن، فإن الشقة لا تمثل استثمارا عقاريا فحسب، بل مكانا يُفترض أن يوفر الاستقرار لعقود، بما يجعل جودة التصميم وظروف الإقامة جزءا أساسيا من قيمة ما تدفعه.
أطفال المجمع وفضاءات الحياة اليومية
ولا تنحصر جودة السكن في المساحة الداخلية للشقق، إذ ترتبط كذلك بالمحيط الذي تعيش فيه الأسر، وبمدى توفر مرافق تستجيب لاحتياجات السكان.
ويعرض المنعش العقاري مشروعه باعتباره تجمعا سكنيا يضم فضاءات خضراء ومؤسسة تعليمية، وهي تجهيزات تكتسب أهمية خاصة داخل المجمعات التي تضم مئات الأسر.
وأوضح مسؤول عن المشروع، في تصريحات صحافية حديثة، أن قطعة أرضية مجاورة تبلغ مساحتها نحو ستة آلاف متر مربع مخصصة لإقامة مؤسسة تعليمية.
غير أن الحديث عن تخصيص أرض لإنجاز مدرسة يطرح تساؤلات بشأن الوضعية الفعلية لهذا التجهيز، والجدول الزمني لإحداثه، ومدى ارتباطه بالالتزامات المقدمة للمشترين.
وتكتسي هذه المسألة بعدا اجتماعيا يرتبط بالأعباء اليومية للأسر، خصوصا تكاليف تنقل الأطفال إلى المدارس، والحاجة إلى أماكن آمنة للعب خارج الشقق.
كما تفرض الكثافة السكنية تحديات تتعلق بتدبير الممرات والمصاعد والنظافة والصيانة والفضاءات المشتركة، وهي عناصر تؤثر مباشرة على العلاقات بين الجيران وعلى جودة الحياة داخل المجمع.
هل يكفي احترام القانون؟
في مواجهة الانتقادات، دافعت الشركة المسؤولة عن المشروع عن سلامة تصميمه، مؤكدة احترام التراخيص وضوابط التعمير المعمول بها.
وأرجع مسؤول بالمشروع الاختلاف في ارتفاع البنايات بين واجهاتها الخارجية والداخلية إلى طبيعة الأرض والحلول الهندسية المعتمدة، نافيا وجود مخالفات تعميرية.
وتتضمن وثائق التهيئة الحضرية لمقاطعة بني مكادة شروطا تتعلق بارتفاع العمارات والمسافات الفاصلة بين الواجهات، غير أن التحقق من مطابقة المشروع لهذه المقتضيات يستدعي الاطلاع على التصاميم والتراخيص المعتمدة، مع مراعاة تاريخ إصدارها.
لكن الجدل الذي أثاره تشبيه المجمع بسجن “Prison Break” يطرح مسألة تتجاوز الحدود الدنيا التي يفرضها القانون على المستثمرين العقاريين. فالمشروع السكني قد يستوفي المتطلبات الإدارية والهندسية، بينما تظل ملاءمته لاحتياجات الأسر موضوعا للنقاش، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالخصوصية والإنارة والتهوية والمساحات المشتركة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في مدينة مثل طنجة، التي رافق توسعها الاقتصادي والعمراني طلب متزايد على الشقق، ودفع المستثمرين إلى تطوير تجمعات سكنية تستوعب أعدادا كبيرة من السكان.
وبين دفاع المطور العقاري عن المشروع، والانتقادات التي أثارتها صوره، يبقى تقييم ظروف السكن الفعلية مرتبطا بتجارب المشترين والساكنة، وبما ستكشفه المعاينات الهندسية والوثائق الرسمية. أما بالنسبة إلى الأسر التي اختارت المجمع بحثا عن الاستقرار، فإن المسألة لا تتعلق باسم مسلسل أميركي استحضره مستخدمو الإنترنت، بل بمساكن دفعت ثمنها لتعيش داخلها.
وهنا يتحدد البعد الاجتماعي لقضية المشروع السكني المعني، فامتلاك شقة لا يكتمل مع تسلم المفاتيح، وإنما يرتبط أيضا بشروط الحياة التي توفرها لأفراد الأسرة، وبمدى قدرتها على ضمان الراحة والخصوصية والاستقرار الذي دفع المشترون من أجله مدخراتهم.

