لم يكن ظهور التهاب حاد لدى مريضين بمصلحة طب وجراحة العيون بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بطنجة، يوم 9 أكتوبر، سوى البداية.
ففي اليوم التالي، ارتفع عدد المصابين إلى 13 شخصا من أصل 16 تلقوا العلاج نفسه، لتتحول المضاعفات التي ظهرت عقب إجراء طبي مشترك إلى واقعة تستدعي تتبع مسار الدواء، من مصدره وظروف تخزينه وتحضيره إلى لحظة حقنه داخل العين.
وتشير المعطيات التي أمكن جمعها من بلاغ المستشفى ومراجع طبية متخصصة إلى أن القاسم المشترك بين المصابين لا يقتصر على وجودهم داخل المصلحة نفسها، بل يشمل تلقي علاج بالحقن خلال حصة واحدة بتاريخ 8 أكتوبر، قبل ظهور أعراض متقاربة خلال فترة زمنية قصيرة.
وهذا التزامن هو العنصر الأكثر أهمية في فهم طبيعة الحادث. فإصابة 13 من أصل 16 مريضا، أي أكثر من 81 بالمئة من المجموعة، توجه التحريات نحو البحث عن عامل مشترك في العملية العلاجية، بدلا من التعامل مع كل إصابة باعتبارها مضاعفة فردية مستقلة.
ولا يثبت هذا الترابط الزمني وجود تلوث جرثومي أو خطأ أثناء الحقن، لكنه يضيق نطاق البحث الطبي، خصوصا أن المعلومات المتوفرة تفيد بأن بعض المرضى سبق أن تلقوا العلاج نفسه مرات متعددة دون ظهور مضاعفات مماثلة.
وتفيد المعطيات المتوفرة، بأن المصابين، ومن بينهم نساء وأطفال، عانوا من احمرار شديد والتهابات حادة استدعت إخضاعهم للمضادات الحيوية والمراقبة الطبية المستمرة. كما أشارت إلى أن بعضهم استفاد من الحقن نفسها أكثر من خمس مرات خلال الأشهر السابقة.
وتمنح هذه التفاصيل الحصة العلاجية الأخيرة أهمية خاصة، إذ يصبح تتبع المستحضرات والأدوات التي استعملت خلالها مدخلا ضروريا لتفسير ما حدث.
غير أن إدارة المستشفى، التي أعلنت فتح تحقيق بالتنسيق مع لجنة محاربة التعفنات الاستشفائية والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية ولجنة موفدة من وزارة الصحة، لم تكشف اسم المستحضر المحقون أو رقم دفعته أو ظروف تحضيره.
ولم تعلن كذلك ما إذا كان المرضى جميعهم تلقوا جرعات مستخرجة من قارورة واحدة، أو من قوارير متعددة، وهي معلومة تسمح للمحققين بتحديد نطاق العوامل المشتركة بين المصابين.
ما الذي حدث للحقن؟
وتبدأ عملية الحقن داخل العين قبل وصول المريض إلى غرفة العلاج بوقت طويل. فالمستحضر الطبي يمر عبر سلسلة من المراحل تشمل التصنيع والنقل والتخزين، وقد يخضع لتحضير جرعات صغيرة تناسب الاستعمال العيني، قبل أن يتولى الطبيب حقنه وفق إجراءات تعقيم دقيقة.
وتكتسب هذه المراحل حساسية خاصة في علاجات الشبكية، حيث تدخل المادة العلاجية إلى الجسم الزجاجي للعين، وهو موضع يمكن أن تؤدي إصابته بعدوى جرثومية إلى مضاعفات بصرية خطيرة.
وتشير المعلومات المتعلقة بحادث طنجة إلى أن التحقيق امتد بالفعل إلى فحص ظروف تخزين المستحضرات وتحضيرها، مع سحب عينات لإخضاعها لتحاليل كيميائية وبيولوجية.
كما تفيد بأن الدفعة المستخدمة تحمل تاريخ انتهاء صلاحية يمتد إلى 30 شتنبر 2028.
ويستبعد هذا المعطى، إذا تأكد، استعمال دواء انتهت صلاحيته المدونة على العبوة، لكنه لا يحسم سلامته. فقد يحتفظ المستحضر بتاريخ صلاحية سليم، بينما يتعرض للتلوث خلال تحضيره أو نقله إلى المحقنة أو أثناء إعطائه للمريض.
كما أن وجود التهابات لدى غالبية المستفيدين لا يعني بالضرورة حدوث عدوى جرثومية. فقد وثقت أبحاث طبية حالات أصيب فيها عدد كبير من المرضى بالتهابات داخل العين عقب استعمال مستحضرات من الدفعة نفسها، رغم عدم إثبات وجود جراثيم في العينات التي خضعت للزرع المخبري.
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة كيوتو اليابانية ونشرتها مجلة “Retina” سنة 2010، ظهرت التهابات متوسطة أو حادة في 14 عينا من أصل 19 تلقت حقنا بعقار “بيفاسيزوماب” من دفعة مشتركة. ولم تكشف التحاليل التي أجريت على عينات من خمس عيون عن جراثيم أو فطريات.
واستعادت 12 عينا مستوى الرؤية السابق للالتهاب خلال شهر، بينما بقيت حدة البصر منخفضة في عينين.
وتكتسب هذه السابقة العلمية أهميتها لأنها تظهر أن ارتفاع عدد الإصابات خلال حصة علاجية واحدة لا يكفي لإثبات تلوث جرثومي، كما أن غياب الجراثيم لا يعني بالضرورة انعدام المخاطر على البصر.
وفي المقابل، وثقت دراسات أخرى مجموعات من العدوى الجرثومية داخل العين ارتبطت بمحقنات جرى تحضيرها في ظروف غير ملائمة، ما جعل تحديد مصدر التلوث ممكنا من خلال مقارنة نتائج عينات المرضى والمستحضرات والأدوات المستخدمة.
وفي طنجة، لم تتوفر حتى الآن نتائج تسمح بالتمييز بين هذين الاحتمالين، أو تحدد ما إذا كانت المضاعفات مرتبطة بالمادة العلاجية نفسها أو بإحدى مراحل تداولها وإعطائها.
لكن ثمة تفصيلا آخر يستحق الانتباه. فثلاثة مرضى خضعوا للعلاج نفسه لم تظهر لديهم مضاعفات، وهو اختلاف لا ينفي وجود مصدر مشترك، لكنه يجعل مقارنة الجرعات والمحقنات وتسلسل إجراءات العلاج بين المصابين وغير المصابين جزءا مهما من إعادة تركيب الواقعة.
وبذلك لا ينحصر التحقيق في فحص الدواء بوصفه مادة كيميائية، بل يمتد إلى الظروف التي وصل فيها إلى كل مريض، وهي الحلقة التي يمكن أن تحدد طبيعة الخلل ومصدره.
سابقة لم تغب عن القطاع
ويحمل حادث طنجة أوجه تشابه مع واقعة شهدها مستشفى 20 غشت بالدار البيضاء في 19 شتنبر 2023، عندما تعرض 16 مريضا لمضاعفات بصرية عقب تلقيهم حقنا داخل العين.
وفي ذلك الحادث، تلقى المرضى مستحضرا يعتمد على عقار “بيفاسيزوماب”، المعروف تجاريا باسم “أفاستين”، الذي طور أساسا لعلاج بعض أنواع السرطان، ويستعمل كذلك في طب العيون لعلاج أمراض الشبكية.
وكشفت تصريحات أدلت بها آنذاك البروفيسورة أسماء الكتاني، رئيسة مصلحة طب عيون الأطفال بالمستشفى، أن قارورة واحدة من المستحضر كانت تكفي لعلاج نحو 20 مريضا، وأن الجرعات كانت تقدم خلال حصة علاجية مشتركة.
وتبرز أهمية هذا التفصيل في أن تقسيم محتوى القارورة إلى جرعات صغيرة يضيف مرحلة إلى مسار الاستعمال الدوائي، تتطلب احترام شروط التعقيم والتحضير.
وفي يونيو 2026، أي قبل أربعة أشهر من واقعة طنجة، عادت النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الحر إلى ملف الدار البيضاء، معلنة أن التحقيقات الصحية السابقة خلصت، بحسب ما أفاد به ممثلوها، إلى ارتباط المضاعفات بظروف تحضير المستحضر وإعطائه، وليس بالمادة الدوائية نفسها.
ولم يصاحب هذا الإعلان نشر تقرير رسمي مفصل يتيح التحقق المستقل من النتائج التي استندت إليها النقابة.
وكشفت الهيئة المهنية في المناسبة نفسها عن إعداد الجمعية المغربية لطب العيون بروتوكولا وطنيا ينظم تحضير “بيفاسيزوماب” وإعادة تعبئته وحقنه، وقالت إن أطباء القطاع الحر شرعوا في تطبيقه.
وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف في المعلومات المتاحة عن منظومة السلامة. فقد جرى الإعلان عن بروتوكول مهني لمعالجة المخاطر المرتبطة بالتحضير والحقن، دون أن تتوفر معطيات منشورة تحدد نطاق اعتماده داخل المستشفيات الجامعية العمومية، أو نتائج مراقبة الالتزام به.
كما تكشف مراجعة سجلات مجلس النواب أن سؤالا كتابيا وجه إلى وزارة الصحة في أكتوبر 2023 بشأن إصابات مستشفى 20 غشت، ظل يحمل في الصفحة الرسمية عبارة “لم يجب عنه بعد”.
وتظهر العبارة نفسها في سجل سؤال آخر قدم في أكتوبر 2024، بعد احتجاج مصابين قالوا إنهم ما زالوا يعانون من تدهور البصر بعد مرور أكثر من عام على الحادث.
ولا تعني هذه السجلات بالضرورة غياب إجراءات صحية أو قضائية، لكنها لا توفر للقارئ حصيلة رسمية مكتملة بشأن نتائج التحقيق السابق أو التدابير التصحيحية التي أعقبته.
ويكتسب هذا الغياب أهميته مع تسجيل حادث جديد في مؤسسة جامعية أخرى، في وقت ظل فيه تنظيم استعمال بعض المستحضرات العينية موضوع خلاف مهني وتنظيمي.
فدواء “بيفاسيزوماب”، الذي استعمل في حادث الدار البيضاء، يتوفر على ترخيص للتسويق في المغرب لعلاج أمراض سرطانية، بينما يطالب أطباء العيون بإطار خاص ينظم استعماله في علاج أمراض الشبكية.
وتستند مطالبهم إلى فعاليته العلاجية وتكلفته التي تقدر بنحو 300 درهم للجرعة، مقابل آلاف الدراهم لبعض البدائل المرخصة للاستعمال العيني.
ويجعل هذا الفارق استعمال المستحضرات الأقل تكلفة خيارا مهما بالنسبة إلى مرضى يحتاجون إلى حقن متكررة، لكنه يزيد أهمية ضبط عمليات التحضير وإعادة التعبئة والحقن، بما يحمي المرضى دون حرمانهم من العلاج.
ولا توجد معطيات تثبت أن مستشفى طنجة استعمل العقار نفسه، أو أن المصابين تلقوا جرعات حضرت بالطريقة المعتمدة في حادث الدار البيضاء.
ولذلك لا تسمح المقارنة بين الواقعتين باستنتاج وجود خلل متكرر من المصدر نفسه، لكنها تظهر أن المخاطر المرتبطة بالحقن العينية كانت موضوع تحقيقات ومطالب تنظيمية قبل تسجيل الإصابات الجديدة.
وتتجاوز هذه القضية النقاش بشأن مصدر الدواء إلى مسألة الرقابة على مساره الكامل داخل المؤسسة الصحية، ولا سيما الفصل بين مسؤولية تصنيع المستحضر ومسؤولية حفظه وتحضيره وإعطائه.
فإذا أثبتت التحاليل وجود تلوث في الدفعة الدوائية قبل وصولها إلى المستشفى، فإن ذلك سيستدعي تتبع مسار توزيعها. أما إذا ثبت أن الخلل وقع أثناء تحضير الجرعات أو إعطائها، فسينحصر مصدره في إحدى مراحل الإجراء العلاجي التي يتعين تحديدها.
وفي الحالتين، لن يكون تاريخ الصلاحية أو سلامة العبوة الخارجية وحدهما كافيين لتفسير إصابة 13 مريضا في فترة زمنية متقاربة.
وبينما يتجه التحقيق نحو المستحضرات والأدوات والإجراءات الطبية، لا يزال أثر الحادث على القدرة البصرية للمصابين غير معروف بصورة دقيقة.
فإدارة المستشفى أكدت التكفل بالحالات ومراقبتها، دون إعلان نتائج قياس حدة البصر بعد ظهور الالتهابات، أو تحديد عدد المرضى الذين استعادوا مستوى الرؤية السابق للعلاج.
وهذا المعطى بالغ الأهمية، لأن السيطرة على الالتهاب لا تعني بالضرورة زوال آثاره البصرية، كما أن بعض الإصابات قد تستدعي علاجات إضافية أو تدخلا جراحيا بحسب شدتها وطبيعتها.
وبعد ستة أيام من الحصة العلاجية التي بدأت منها الواقعة، أصبح المؤكد أن مضاعفات حادة ظهرت لدى غالبية المرضى الذين تلقوا علاجا مشتركا، وأن الجهات الصحية نقلت التحريات إلى سلسلة تداول المستحضر الطبي وتحضيره واستعماله.
أما ما لم يتحدد بعد فهو مصدر هذه المضاعفات، ومدى ارتباطها بالدواء أو بإجراءات الحقن، وحجم الأضرار التي لحقت ببصر المرضى.
ويضع حادث طنجة هذه المرة مسألتين أمام الجهات الصحية. الأولى تحديد ما جرى خلال حصة 8 أكتوبر على أساس نتائج مخبرية وسجلات علاجية دقيقة. والثانية بيان ما إذا كانت الإجراءات المعتمدة بعد حادث الدار البيضاء قبل ثلاث سنوات قد عالجت بالفعل المخاطر التي سبق أن كشفت عنها تلك الواقعة.

