لغز “فيلا جوزفين” بطنجة.. تزوير ووصية غامضة وعقار مجهول المالك

من يقف أمام “فيلا جوزفين” في الجبل الكببر بطنجة سيجد أمامه واحدا من أكثر مباني المدينة شهرة، تاريخ يمتد لأكثر من قرن، وفندق يحمل الاسم نفسه. لكن خلف هذه الصورة الراقية يختبئ سؤال معقد يفترض أن يكون الأبسط في أي عقار: من يملكه اليوم؟

هذا السؤال ظل عالقا لسنوات، وسط معطيات عن وفاة آخر مالك للفيلا وتركه وصية لدى موثق في باريس، مرورا بانتقال حصص داخل الشركة المرتبطة باستغلالها، وصولا إلى ظهور محاولة للاستيلاء على العقار بوثائق مزورة، وهي المحاولة التي وصلت إلى أروقة القضاء وانتهت بإصدار أحكام بالسجن.

ومع عودة القضية إلى واجهة التداول خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد الغموض مرتبطا بتاريخ الفيلا العريق أو بالجهة التي تدير الفندق القائم داخلها، بقدر ما يرتبط بسلسلة الملكية نفسها. فما الذي جرى بعد وفاة صاحبها؟ وإلى أي جهة آلت حقوقه؟ وهل نفذت الوصية التي يجري الحديث عنها منذ سنوات أصلا؟

والثابت تاريخيا أن الفيلا لم تكن دائما مجهولة المالك. فقد شيدها الصحفي والكاتب البريطاني والتر بورتون هاريس مطلع القرن العشرين، ثم انتقلت إلى الأرستقراطي الإسباني دوق توفار، قبل أن ترتبط لاحقا بالتهامي الكلاوي، باشا مراكش، الذي اتخذها مقرا صيفيا له. واليوم، تعمل في العنوان نفسه مؤسسة للإيواء السياحي تحمل اسم “فيلا جوزفين”. لكن هذه السلسلة المتماسكة تصبح أقل وضوحا كلما اقتربت من الحاضر.

فالمعطيات المتاحة عن السنوات الأخيرة لا تقدم تسلسلا مماثلا يمكن من معرفة كيف انتقلت ملكية العقار من آخر مالك معروف إلى الوضع الحالي، وما إذا كان انتقال الملكية قد تم عبر الإرث أو الوصية أو مسار آخر. ومن هنا تبدأ حكاية أكثر التباسا من تاريخ الفيلا نفسه.

وصية في باريس.. هل للمدينة نصيب؟

منذ سنوات، تتردد معطيات عن وفاة آخر مالك للفيلا وتركه وصية مودعة لدى موثق في العاصمة الفرنسية باريس، يفترض أنها تحدد هوية المستفيدين من تركته. لكن مضمون الوثيقة لم يظهر إلى العموم، كما لم تتوفر وثائق منشورة تحدد ما إذا جرى فتح الوصية وتنفيذها وترتيب آثارها القانونية على العقار الموجود في طنجة.

وتذهب المعلومات المتداولة أبعد من ذلك، إذ تثير احتمال أن تكون مدينة طنجة نفسها ضمن المستفيدين من الإرث. وهي فرضية تحمل، إذا ثبتت، أبعادا تتجاوز نزاعا خاصا بين ورثة أو مسيري شركة، ليصبح الأمر مرتبطا بحق محتمل للمدينة في عقار يعد جزءا أصيلا من ذاكرتها المعمارية.

لكن لا توجد ضمن الوثائق المتاحة للعموم، حتى الآن، وصية منشورة أو تقييد عقاري أو قرار صادر عن جماعة طنجة يثبت أن المدينة تملك حصة في الفيلا أو أنها مستفيدة من التركة. وهذه الفجوة بين ما يقال عن الوصية وما هو مثبت في الوثائق هي التي تبقي الملف مفتوحا.

ففي قضايا الإرث العابرة للحدود، لا تكفي الإشارة إلى وجود وصية في فرنسا لمعرفة صاحب الملكية في المغرب، إذ إن ما يحسم وضع العقار في النهاية هو مآل إجراءات التركة وما تم تقييده في الرسم العقاري.

وتظهر هنا وثيقة أخرى لا تجيب عن السؤال المركزي، لكنها تزيده أهمية. فبيانات الشركة المسماة “لاكشري ريزيدنسز إن طنجة” (Luxury Residences in Tangier)، المسجلة في العنوان نفسه للفيلا، تظهر أنها تعمل في مجال الإيواء السياحي برأسمال يبلغ أربعة ملايين درهم.

كما يسجل تاريخها القانوني في 11 ماي 2019 سلسلة تغييرات شملت وفاة أحد الشركاء، وتحويل حصص أو أسهم، وتغيير الشكل القانوني وتعديلات في النظام الأساسي. وهذه المعطيات تشرح جزءا من انتقال الحقوق داخل الشركة، لكنها لا تحسم ملكية “فيلا جوزفين” كعقار.

فالملكية العقارية وحصص الشركة ليستا الشيء نفسه. وقد تمتلك شركة فندقا وتستغله، أو تدير نشاطا داخل عقار تملكه جهة أخرى. ومن دون الاطلاع على الرسم العقاري، لا تسمح البيانات التجارية وحدها بمعرفة أي وضع ينطبق على “فيلا جوزفين”.

محاولة استيلاء تنتهي خلف القضبان

في صيف العام الماضي (2025)، حصل الملف على أول فصل قضائي واضح. فقد أدانت المحكمة الابتدائية بطنجة مواطنين فرنسيين بخمس سنوات سجنا لكل واحد منهما، بعد متابعتهما بتهم التزوير واستعماله والنصب والمشاركة في قضية مرتبطة بمحاولة الاستيلاء على العقار.

وقضت المحكمة كذلك بإتلاف الوثائق المزورة والإجراءات المترتبة عنها، مع الإبقاء على مذكرة البحث في حق أحد المحكوم عليهما، الذي أدين غيابيا، واستمرار إجراءات المراقبة القضائية في حق المتهمة الثانية.

وبقدر ما بدا الحكم حاسما في إثبات وجود محاولة للاستيلاء على العقار، فإنه ترك السؤال الأكبر معلقا. فالمحكمة قالت، عمليا، من “لا يملك” الفيلا عبر إسقاط الوثائق التي استعملت لإثبات ملكية غير صحيحة، لكنها لم تجعل هوية المالك الحقيقي معروفة أمام الرأي العام.

وتزداد المفارقة هنا لأن محاولة الاستيلاء لم تستهدف عقارا مهجورا أو أرضا خلاء، بل مبنى يعمل في داخله فندق معروف بنشاطه القائم منذ سنوات.

كما أن القضية لم تتعلق فقط بتقديم وثائق مشكوك فيها، بل بمحاولة استعمالها للتصرف في العقار وإقناع أطراف أخرى بوجود حق في ملكيته. وهو ما يعيد الملف إلى المربع الأول: إذا كانت الوثائق مزورة، فما هي الوثائق الصحيحة؟ ومن يظهر اسمه اليوم في الرسم العقاري؟

أكثر من قرن من الملاك.. وغموض في الحاضر

عاشت “فيلا جوزفين” خلال القرن الماضي سلسلة واضحة نسبيا من التحولات. وتحمل حتى اليوم الكثير من ملامح تلك المراحل، من موقعها الاستراتيجي في الجبل القديم إلى طابعها المعماري وإطلالتها الساحرة على المضيق. وهي تعمل حاليا كفندق “بوتيك” صغير من عشر غرف، في العنوان الحامل للرقم 231 بطريق الجبل القديم، سيدي مسمودي.

والمفارقة أن تاريخها البعيد أسهل بكثير في التتبع من تاريخها القريب. فمن عاش فيها قبل مئة عام معروف إلى حد بعيد، لكن الإجابة عن صاحب الحق فيها اليوم تستدعي العودة إلى وثائق لا توفرها الرواية التاريخية ولا الموقع التجاري للفندق. وحتى التحولات القانونية التي عرفتها الشركة المرتبطة بالمؤسسة السياحية بعد وفاة أحد شركائها سنة 2019، لا تكشف إن كان الشخص المتوفى نفسه هو صاحب العقار، أم أن الأمر يتعلق بحصص استغلال تجاري فقط.

وهكذا، تتقاطع في هذا الملف ثلاثة مسارات، مسار شركة تجارية عرفت وفاة شريك وانتقال حصص، ومسار تركة يقال إن مفتاحها داخل وصية في باريس، ومسار قضائي أثبت محاولة الاستيلاء على العقار بوثائق مزورة. لكن أيا من هذه المسارات، منفردا، لا يقدم الصورة العقارية الكاملة.

ولذلك، يبقى الرسم العقاري هو البداية والنهاية. فهو الذي يحدد صاحب الحق المسجل، والتقييدات التي جرت بعد الوفاة، وأي عمليات انتقال للملكية. أما الوصية المفترضة، فإذا ثبت وجودها ونفذت، فستجيب عن الشق الآخر، من أراد المالك السابق أن تؤول إليه تركته؟ وهل تضمنت حقا لفائدة مدينة طنجة؟

وبعد أكثر من قرن على تشييدها، يبدو الغموض محيطا بحاضر “فيلا جوزفين” أكثر من ماضيها. فأحد أشهر مباني طنجة معروف باسمه وعنوانه وتاريخه، بينما يبقى اسم من يملكه فعليا.. الحلقة الأضعف والأقل وضوحا في الحكاية.

لا توجد تعليقات