سقوط عمدة طنجة.. كيف أوقف “سجن أصيلة” طموحات منير ليموري العابرة للمدن؟

الشمال نيوز من طنحة

من مقاول واعد إلى رئيس لشبكة عمداء المغرب، مسار متسارع لرجل راكم المناصب الكبرى وانتهى به المطاف مؤقتا خلف أسوار الاعتقال الاحتياطي بشبهة “تزوير انتخابي”.

ولم يحتج مسار منير ليموري السياسي إلى أكثر من خمسة أعوام ليحقق قفزات متسارعة، انتقل خلالها من رئاسة غرفة مهنية في شمال المغرب إلى عمادة واحدة من كبريات حواضر البلاد، ثم إلى قيادة الهيئة الوطنية الممثلة لرؤساء مجالس الجماعات. وهو مسار راكم فيه إدارة مؤسسات حيوية تمتد اختصاصاتها من النقل والنفايات إلى الماء والكهرباء.

لكن هذا الطريق الذي ظل يتسع يوما بعد آخر أمام عمدة طنجة توقف فجأة عند البوابة الحديدية للسجن المحلي بمدينة أصيلة. ففي الساعات الأولى من يوم الجمعة 2 أكتوبر، أمر قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بطنجة بإيداع ليموري رهن الاعتقال الاحتياطي، لتطوى بذلك مؤقتا صفحة سياسي كان يستعد للعبور من المحلية إلى الساحة الوطنية.

وبالنسبة إلى رجل تجاوز حضوره منذ سنوات أسوار قصر بلدية طنجة، لا يقتصر الأمر اليوم على تعثر ولاية انتدابية كان يفترض أن تبلغ نهايتها عام 2027، بل إن الاعتقال جاء في لحظة بلغ فيها حضوره السياسي والمؤسساتي مستوى غير مسبوق.

فقد كان ليموري يجمع، في وقت واحد، بين عمادة مدينة طنجة، ورئاسة الجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، ورئاسة مجموعة جماعات جهوية لتدبير التوزيع، إلى جانب ثقله التنظيمي داخل حزب «الأصالة والمعاصرة».

وحتى أشهر قليلة خلت، كان اسم ليموري حاضرا في النقاش السياسي المحلي كمرشح محتمل لاقتحام المؤسسة التشريعية.

وحين سئل في أبريل 2026 عن هذا الاحتمال، ترك الباب مواربا، مصرحا لوسائل إعلام محلية بأن الترشح للبرلمان “طموح سياسي مشروع”، معلقا القرار النهائي على أجهزة الحزب. وكانت تلك العبارة المقتضبة كافية للقول إن أفق الرجل لم يعد يتسع لمدينة طنجة وحدها.

من أسوار المصانع إلى كواليس السياسة

لم يأت ليموري إلى السياسة من التنظيمات الشبابية المعتادة، بل جاء من عالم المقاولة. وبحسب السيرة التي نشرها حزبه، فقد أدار شركات متخصصة في صناعة الجلد، وانخرط في فرع الشمال للاتحاد العام لمقاولات المغرب، كما جلس في مجلس إدارة الاتحاد العربي للصناعات الجلدية، وترأس جمعية المستثمرين بالمنطقة الصناعية اكزناية.

ومنحه هذا المسار الاقتصادي مدخلا مختلفا إلى الشأن العام، إذ تحرك وسط شبكات المقاولين والمهنيين قبل أن يوسع حضوره داخل المؤسسات المنتخبة.

وانخرط مبكرا في حزب “الأصالة والمعاصرة”، وتولى أمانته الإقليمية بطنجة أصيلة منذ عام 2012، كما مر بمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة وبغرفة الصناعة التقليدية، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة في صيف عام 2021.

وفي 16 غشت 2021، انتخب رئيسا لغرفة الصناعة التقليدية لجهته بـ56 صوتا من أصل 56. غير أنه لم يستقر في هذا المنصب لأكثر من شهر، إذ أفرزت توازنات التحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، في 22 شتنبر من العام نفسه، انتخابه عمدة لطنجة بـ68 صوتا من أصل 79 عضوا حضروا الجلسة، قبل أن يغادر رئاسة الغرفة المهنية بسبب حالة التنافي ويبدأ فصلا جديدا مع مدينة تعيش على إيقاع أوراش كبرى وتستعد لاستحقاقات رياضية دولية.

هندسة النفوذ.. وتراكم المؤسسات

ولم تكن عمودية طنجة نهاية المسار. فبعد أقل من شهرين، وتحديدا في 17 نونبر 2021، انتخب بالإجماع رئيسا لمجموعة الجماعات الترابية “البوغاز”، بعد حصوله على أصوات الأعضاء الـ39 الحاضرين، لتضاف إلى مسؤولياته مؤسسة ترتبط بتدبير عدد من المرافق والخدمات المشتركة بين الجماعات.

وفي مارس 2022، وسع ليموري حضوره إلى المستوى الوطني بانتخابه رئيسا للجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، خلفا لمحمد بودرا. ومن خلال هذا الموقع، انتقل من تمثيل مدينة طنجة إلى رئاسة هيئة تجمع رؤساء الجماعات المغربية وتتحرك في ملفات اللامركزية والعلاقات مع الحكومة والشركاء الدوليين.

ثم أضاف ليموري في نونبر 2024 منصبا آخر، إثر انتخابه رئيسا لمجلس مجموعة الجماعات الترابية “طنجة تطوان الحسيمة للتوزيع”، بحصوله على أغلبية أصوات الأعضاء المنتدبين. وبذلك، بات الرجل يتحرك في ثلاث واجهات متوازية، حاضرة كبرى، وشبكة خدمات جهوية، وتمثيلية وطنية، بالتوازي مع تجديد الثقة فيه، في يوليوز 2022، أمينا إقليميا لحزبه بطنجة أصيلة.

طموح عابر للمدن

ومع مرور الوقت، بدأت صورة ليموري تتجاوز صفة “عمدة طنجة”، واتسع حضوره داخل شبكات المنتخبين المحليين وعلى مستوى العلاقات الدولية للمدينة.

وبلغ هذا المسار ذروة رمزية في يونيو 2026، حين تحولت طنجة إلى محطة عالمية باحتضانها المؤتمر الثامن لمنظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة والقمة العالمية للقادة المحليين والجهويين، التي جمعت آلاف المنتخبين والمسؤولين المحليين من مختلف مناطق العالم. وظهر ليموري خلال الحدث بصفته عمدة طنجة ورئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، مستقبلا رؤساء مدن ومسؤولين دوليين على هامش الاجتماعات.

ومع اقتراب تشريعيات شتنبر، ورغم أنه لم يكن مرشحا مباشرا، ظل ليموري حاضرا في دينامية الحزب المحلية وفي النقاش المتعلق بالترشيحات، بعدما كان قد وصف قبل أشهر دخول البرلمان بأنه “طموح سياسي مشروع”، من دون أن يحسم علنا في خوض السباق.

23 شتنبر.. الانعطافة التي غيرت المسار

ثم جاءت واقعة 23 شتنبر. وانطلقت الشرارة الأولى من مدرسة “القدس” بحي كسبارطا، إثر ضبط أوراق تصويت مرتبطة بأحد مكاتب الاقتراع، قبل أن تنتقل القضية من صور ومعطيات متداولة إلى بحث قضائي أطاح بعدد من المشتبه فيهم، ثم امتدت التحقيقات إلى منير ليموري نفسه.

وحين اتسع البحث، كان ليموري خارج البلاد. وقال للإعلام إن سفره إلى إسبانيا ارتبط بالتزامات مهنية ونفى أن يكون قد غادر هربا من التحقيق، مؤكدا أنه سيعود إلى المغرب ويضع نفسه رهن إشارة القضاء.

وفي 28 شتنبر، عاد عبر مطار ابن بطوطة، حيث جرى توقيفه وإحالته على الشرطة القضائية تنفيذا لمذكرة البحث الصادرة في حقه.

وبعد نحو 72 ساعة من الحراسة النظرية وتمديد البحث، دخل الملف منعطفا جديدا. ففي 2 أكتوبر، قرر قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بطنجة إيداع ليموري رهن الاعتقال الاحتياطي بالسجن المحلي بأصيلة، في انتظار استكمال التحقيقات.

ووجه قاضي التحقيق إليه تهما تتعلق بـ”انتهاك عمليات الاقتراع بهدف تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع، والمشاركة في تزوير محرر عمومي، والإرشاء عن طريق تقديم عرض ووعد وهبة بهدف الحصول على القيام بعمل”. وهي اتهامات ما تزال معروضة على التحقيق القضائي، فيما يتمتع ليموري بقرينة البراءة إلى حين صدور حكم نهائي.

وفي غضون أيام قليلة، انقلبت الصورة رأسا على عقب. فقد انتقل الرجل من عمدة يوقع مقررات تدبير شؤون مدينة مليونية ويترأس هيئة وطنية للمنتخبين المحليين، إلى معتقل احتياطي ينتظر استكمال مسطرة التحقيق وكلمة القضاء.

وقد لا يعلن سجن أصيلة النهاية السياسية لمنير ليموري، لكنه يوقف، في اللحظة الراهنة، مسارا سياسيا متسارعا لرجل طمح إلى أبعد من جغرافيا مضيق جبل طارق.

واليوم، لم يعد السؤال داخل الأوساط السياسية يتعلق بالمنصب الوطني الذي يمكن أن ينتقل إليه عمدة طنجة، بقدر ما أصبح مرتبطا بمآل القضية القضائية وانعكاساتها على موقعه داخل المؤسسات التي راكم رئاستها وعلى حضوره داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

لا توجد تعليقات