الشمال نيوز من طنجة
لم يحتج الأمر إلى انتظار إغلاق صناديق الاقتراع حتى تدخل انتخابات 23 شتنبر بدائرة طنجة أصيلة منطقة الشك.
ففي الوقت الذي كان فيه الناخبون يتنقلون بين المكاتب، كانت تسريبات مصورة ومقاطع فيديو تغزو شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتحول واقعة مدرسة القدس بحي كاساباراطا من مجرد احتجاج انتخابي عابر داخل مؤسسة تعليمية، إلى ملف قضائي ثقيل انتهى باعتقالات وتحقيقات حول شبهات تتعلق بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير.
وبعد أسبوع من الاقتراع، لم يعد النقاش مقتصرا على الجهة التي حصدت المقاعد الخمسة المخصصة للدائرة، حيث تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج، وحصل كل من الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار على مقعد.
بل إن الطريق الفاصل بين ضجيج الحملة وإعلان النتائج خلف وراءه ملفات شائكة، بعضها شق طريقه نحو القضاء، وبعضها الآخر لا يزال يقبع في دائرة الشكايات والمواد الموثقة والطعون المحتملة.
هكذا وجدت دائرة طنجة أصيلة نفسها أمام قصص متعددة في استحقاق واحد، صورة دعائية تلاحق لائحة فائزة، وتسجيل يثير شبهة ربط المال بتصوير الاختيار داخل المعزل، ثم أوراق اقتراع خرجت من مكتب للتصويت وعادت إليه، قبل أن تحل لجان التفتيش المركزية لوزارة الداخلية بعاصمة البوغاز.
لغز الحقيبة.. عندما يتحدث القضاء
وكانت مدرسة القدس هي النقطة التي تغير معها إيقاع يوم الاقتراع. إذ بدأت القصة بمقاطع فيديو تظهر ممثلين عن لوائح انتخابية يحتجون داخل مركز التصويت على وضع اعتبروه غير طبيعي داخل أحد الصناديق.
وسرعان ما ظهرت واقعة أخرى بطلها شخص يحمل حقيبة تضم أوراقا انتخابية. في الساعات الأولى، تعاملت النيابة العامة مع الحدث باعتباره واقعة تستوجب البحث، دون تبني الاتهامات المتداولة افتراضيا.
لكن ما بدا لغزا انتخابيا، سرعان ما اتخذ طابعا جنائيا. ففي 26 شتنبر، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة أن الأبحاث الأولية أفضت إلى توقيف خمسة مشتبه فيهم، بينهم رئيسا مكتبين للتصويت ونائباهما وشخص آخر.
غير ان المفاجأة التي حملها البلاغ الرسمي تمثلت في أن حامل الحقيبة لم يكن شخصا غريبا، بل كان نائب رئيس مكتب للتصويت.
ووفق المعطيات الأولية للنيابة العامة، عمد المشتبه فيه إلى اختلاس أوراق تصويت من داخل المكتب بتواطؤ مع رئيسه، ووضعها في حقيبة ليخرجها من المدرسة، قبل إعادتها لاحقا بتنسيق مع باقي المتورطين.
وما زاد الطين بلة، اكتشاف أن الحبر المستعمل على الأوراق المضبوطة يختلف عن ذلك المعتمد داخل مكاتب التصويت، مما دفع النيابة العامة إلى المطالبة بفتح تحقيق للاشتباه في ارتكاب جناية انتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة في ذلك.
الداخلية تدخل على الخط
ولم تتوقف ارتدادات الواقعة عند حدود التدخل القضائي. ففي 28 شتنبر، أعلنت وزارة الداخلية رسميا إيفاد لجنة تفتيش مركزية إلى طنجة للتحري بشأن الخروقات التي شابت العملية الانتخابية بمكتبين للتصويت في الدائرة ذاتها.
ونقلت هذه الخطوة القضية إلى مستوى أوسع. فالتحقيق القضائي يركز على الأفعال المنسوبة لأشخاص بعينهم، بينما يفتح التفتيش الإداري الباب لفحص ظروف تدبير المكتبين، وتتبع مسار أوراق الاقتراع، وطريقة الإشراف على العملية برمتها.
وبحلول 30 شتنبر، تجاوز الجدل أسوار مدرسة القدس، حيث طالب جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وعضو تحالف اليسار، بتوسيع البحث ليشمل وقائع أخرى قال إن حزبه سجلها خلال التصويت والفرز.
وأعلن العسري أن الطعن الذي يستعد تحالفه لتقديمه يستهدف العملية الانتخابية بالدائرة ككل، وليس مقعدا محددا، وهي معطيات تظل في خانة الادعاءات السياسية في انتظار إثباتها أمام الجهات القضائية المختصة.
صوت مقابل صورة.. شبهات المال الانتخابي
وبعيدا عن مدرسة القدس، برزت إشارات أخرى على وجود اضطرابات رافقت الاقتراع. فقد انتشر تسجيل صوتي مرفق بمقطع فيديو، نسبته وسائل إعلام لأحد المشرفين على حملة مرشح للحركة الشعبية.
وتضمن التسجيل تعليمات تلزم أشخاصا بتصوير وجوههم وتوثيق اختيارهم داخل المعزل، كشرط لتأكد المشرفين من تصويتهم للجهة المطلوبة قبل تسليمهم مقابلا ماليا.
وتختلف هذه القضية جذريا عن سابقتها، إذ لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي من النيابة العامة يؤكد صحة التسجيل أو هوية المتحدث أو يفتح متابعة قضائية بشأنه، مما يبقي التعامل معه في حدود الشبهة.
غير أن ثبوت صحة التسجيل ونسبته يعني الاصطدام المباشر مع مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب، وتحديدا المادة 50 التي تمنع إدخال الهواتف ووسائل التصوير إلى قاعات الاقتراع بعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، والمادة 62 التي تجرم محاولة التأثير على الناخبين بالمال أو الهدايا.
وهنا تتحول الصورة من وسيلة لإثبات الاختيار السياسي إلى عنصر محتمل في آلية شراء الأصوات، لكن الانتقال من الاحتمال إلى الأثر القانوني يحتاج إلى إثبات قاطع.
“المصباح” والذكاء الاصطناعي.. جدل الرموز
وقبل الوصول إلى يوم الاقتراع، وجدت لائحة العدالة والتنمية نفسها وسط منازعة محتملة. ففي 16 شتنبر، ظهرت مادة دعائية تروج للمرشح الخامس في لائحة الحزب، مصطفى بن عبد الغفور، عبر صفحة تحمل اسم “الفضاء المغربي للمهنيين، جهة طنجة تطوان الحسيمة”.
وأثارت المادة، التي تضمنت دعوة للتصويت على رمز المصباح، حفيظة المنافسين بسبب ما اعتبروه توظيفا لدلالات دينية ووطنية في الحملة.
ورغم أن الحزب كان قد استبق ذلك بإصدار بلاغ يتبرأ فيه من المواد الانتخابية المولدة بالذكاء الاصطناعي خارج حساباته الرسمية، إلا أن ارتباط اسم الصفحة بهيئة سبق أن ظهرت في أنشطته التنظيمية، واسم المرشح الذي تحمل مسؤولية جهوية داخلها، يجعل تحديد مصدر الصورة والجهة التي تقف وراءها مسألة محورية في حال وصول الملف إلى المحكمة الدستورية.
وتزداد المفارقة هنا مع تواتر أحاديث حزبية بعد الانتخابات عن طعون تستهدف مرشحي الأحزاب الأربعة الأخرى الفائزة، بينما جرى استثناء مرشح العدالة والتنمية من الطعون التي يعدها تحالف اليسار بسبب خروقات يوم الاقتراع. لكن هذا لا يغلق ملف الصورة الدعائية، لأنه يرتبط بجهات أخرى تحدثت مبكرا عن احتمال إثارتها قضائيا.
الفاصل بين الخرق والإلغاء
وفي لغة القانون، لا يعني وجود مخالفة انتخابية سقوط النتيجة تلقائيا. فالقانون التنظيمي يفصل بوضوح بين المسؤولية الجنائية والمنازعة الانتخابية. العقوبة الجنائية لا تلغي الانتخاب في حد ذاتها، بينما تملك المحكمة الدستورية وحدها صلاحية إبطال الانتخابات جزئيا أو كليا متى ثبت أن الاقتراع لم يجر وفق الإجراءات القانونية، أو شابت حريته مناورات تدليسية.
وتظل قوة الدليل ومدى تأثير المخالفة عنصرين حاسمين. وسبق للمحكمة ذاتها أن اعتبرت في قرار صدر سنة 2017 يخص دائرة طنجة أصيلة، أن تقديم صورة واحدة لورقة تصويت منشورة على مواقع التواصل لا يكفي وحده لإثبات خرق سرية الاقتراع.
وفي المقابل، أبطلت المحكمة انتخابات أخرى حين ثبت لها أن استعمال المال أو الممارسات التدليسية أخل بحرية وصدق العملية برمتها.
وهكذا تقف نتائج 23 شتنبر بطنجة على أعتاب مرحلة جديدة. لقد وزعت المقاعد وانتهى الاقتراع، لكن المعركة الحقيقية غادرت الشوارع ومراكز التصويت لتستقر في أروقة المحاكم وبين طيات المحاضر والطعون، حيث سيتحدد الخط الفاصل بين خروقات يتحمل أوزارها أفراد، ووقائع قد ترى المحكمة أنها مست بنزاهة الاقتراع إلى الحد الذي يبرر الإطاحة بنتيجته.

