الشمال نيوز
بمجرد أن يخلع بزة العمل الخاصة بالوحدة الصناعية التي يشتغل بها، يبدأ محمد (أب لطفلين) سباقا آخر مع الزمن. فلم يعد دوام المصنع، بنظامه التناوبي المرهق الذي يتغير كل أسبوع، كافيا لتأمين أبسط شروط العيش الكريم لأسرته.
ففي طنجة، المدينة التي تغلي بالتحولات الاقتصادية والديموغرافية، يجد هذا العامل نفسه مجبرا على تقمص دور بائع للحلوى متجولا بين المقاهي والحدائق العامة، أملا في سد فجوة مالية تتربص باستقرار أسرته كل شهر.
الهاجس الأكبر الذي يطارد محمدا، كما الآلاف من نظرائه في “عروس الشمال”، يتلخص في كلمة واحدة: الكراء.
حياة بوجهين في مواجهة طاحونة الأسعار
بخطوات مثقلة بتعب ورديات المصنع، يجوب محمد شوارع طنجة مساء. في الأسابيع التي يحالفه فيها الحظ بإنهاء نوبة عمله باكرا، يستطيع أن يخصص ثلاث أو أربع ساعات لبيع الحلوى.
هذا الجهد الإضافي المضني يدر عليه دخلا أسبوعيا يتراوح بين 600 و900 درهم، وهو شريان حياة حقيقي ينقذه من الغرق في الديون.
لكن الأمور لا تسير دائما وفق المبتغى؛ فحين يتغير جدول التناوب في المصنع ويتأخر خروجه، تتراجع مداخيله الإضافية بشكل دراماتيكي، ليجد نفسه في مواجهة حتمية مع التزام شهري لا يقبل التأجيل: كراء مسكنه الذي يبلغ 2500 درهم شهريا.
ويقول محمد بنبرة تلخص قسوة المعادلة، وهو الذي يعتمد بشكل أساسي أيضا على مساهمة زوجته العاملة: “الكراء أولا… كل شيء آخر يمكن تأجيله أو تقليصه، لكن السكن خط أحمر”.
حالة محمد تفتح الباب واسعا أمام تساؤلات ملحة حول حجم الضغط النفسي والمادي الذي تمثله تكاليف السكن على الأجراء من ذوي الدخل المحدود في المغرب.
بلغة الأرقام، ومنذ فاتح يناير 2026، ارتفع الحد الأدنى القانوني للأجر (السميغ) في الأنشطة غير الفلاحية بالمغرب إلى 17.92 درهم للساعة.
وبعملية حسابية بسيطة، يعادل هذا الرقم نحو 3423 درهما شهريا (قبل الاقتطاعات) على أساس 191 ساعة عمل في الشهر.
عند مقارنة هذا الدخل بالتزامات محمد، نجد أن السومة الكرائية (2500 درهم) تلتهم وحدها حوالي 73 في المائة من الأجر الأدنى الشهري الخام. إنها نسبة مرعبة تترك العامل أمام فتات لا يكفي لتغطية مصاريف التغذية، والتمدرس، والتطبيب، وفواتير الماء والكهرباء، مما يجعل اللجوء إلى الاقتصاد غير المهيكل والعمل المزدوج ليس خيارا لتحسين الدخل، بل شرطا وجوديا للبقاء.
انفجار ديموغرافي يدفع المجتمع نحو الكراء
ولا يمكن قراءة هذه المعاناة الفردية بمعزل عن التحولات الكبرى التي تعيشها مدينة طنجة. فالمدينة التي تحولت إلى قطب صناعي واقتصادي رائد، تدفع ضريبة جاذبيتها نموا سكانيا متسارعا وغير مسبوق.
ووفقا لنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، قفز عدد سكان جماعة طنجة من 947 ألفا و952 نسمة في عام 2014، إلى مليون و275 ألفا و428 نسمة في عام 2024. نحن أمام زيادة ديموغرافية ضخمة تناهز 34.5 في المائة خلال عقد واحد فقط.
والأكثر إثارة للانتباه في هذه الأرقام، هو أن وتيرة تزايد الأسر فاقت بكثير وتيرة النمو السكاني. فقد ارتفع عدد الأسر بالجماعة خلال نفس الفترة من 239 ألفا و243 أسرة إلى 362 ألفا و62 أسرة، بزيادة استثنائية تتجاوز 51 في المائة.
ويعكس هذا المؤشر بوضوح اتساع الحاجيات السكنية بشكل جنوني، مما خلق ضغطا غير مسبوق على العرض العقاري، ودفع بأسعار الإيجار إلى مستويات باتت تخنق الطبقة العاملة.
وأمام هذا الغلاء وارتفاع تكلفة التملك، تجد شريحة واسعة من ساكنة طنجة نفسها مجبرة على الاستسلام لسوق الكراء. وتشير معطيات “المندوبية السامية للتخطيط” إلى تحول بنيوي في نمط سكن الطنجاويين.
فقد ارتفعت نسبة الأسر الحضرية التي تقطن مساكن مكتراة في عمالة طنجة – أصيلة من 36.3 في المائة سنة 2014 إلى 42.3 في المائة في سنة 2024. وبذلك، تسجل هذه العمالة أعلى نسبة كراء بين كافة عمالات وأقاليم جهة طنجة – تطوان – الحسيمة.
استقرار معلق بساعات العمل الإضافية
تعكس هذه المؤشرات الإحصائية واقعا اجتماعيا شديد التعقيد؛ حيث تتزايد أعداد الأسر المعتمدة على سوق كراء لا يرحم، في وقت تظل فيه الأجور النظامية عاجزة عن توفير مظلة حماية حقيقية.
وفي نهاية المطاف، وبالنسبة لمحمد ولآلاف العمال الذين يشاطرونه نفس المصير، لم يعد الاستقرار السكني، الذي يفترض أن يكون حقا أساسيا، مرتبطا بما يتقاضاه من المصنع نهاية كل شهر. بل بات استقرارا هشا، معلقا بعدد الساعات الإضافية التي يقوى جسده المنهك على اقتناصها في شوارع المدينة، وبما تجود به جيوب رواد المقاهي من دراهم مقابل قطع الحلوى. دراهم تجمع بشق الأنفس، لا لشيء، إلا لضمان سقف يحمي أطفاله لشهر إضافي.
وبينما تواصل طنجة رسم مسارها كقوة اقتصادية صاعدة تستقطب الاستثمارات والمشاريع الكبرى، يظل التحدي الأكبر هو التوفيق بين هذا النمو المتسارع وضمان العدالة الاجتماعية.
فبدون تدخلات حكومية حاسمة لتوفير سكن لائق وميسر للطبقة العاملة، وضبط فوضى أسعار الإيجار، ستبقى قصة محمد مجرد فصل واحد من رواية طويلة لمعاناة يومية تعيشها آلاف الأسر التي تدفع ضريبة التنمية من استقرارها وحقها في العيش الكريم.

