بين هدير الحاويات وضجيج المقالع.. ماذا يخبئ “ميناء طنجة المتوسط 3” لشباب الفحص أنجرة؟

الشمال نيوز من طنجة

بعد أكثر من عقدين على انطلاق مشروع طنجة المتوسط، يترقب سكان إقليم الفحص أنجرة والمناطق المحيطة به مرحلة جديدة من التوسع المينائي، وسط تطلعات إلى أن تحمل هذه المرة تحولا ملموسا في فرص الشغل ومستويات العيش.

وتكتسب هذه التطلعات أهمية استثنائية عقب التوجيهات التي أصدرها الملك محمد السادس أواخر أكتوبر 2026، والتي شدد فيها على ضرورة استفادة الأقاليم المعنية وسكانها من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية، وتوفير برامج التكوين الملائمة لتسهيل الإدماج المهني للشباب.

وتضع هذه التوجيهات مشروع “طنجة المتوسط 3” أمام تحد يتجاوز توسيع الأرصفة ورفع قدرات استقبال الحاويات، ليشمل قدرة الاستثمار على إنتاج فرص اجتماعية واقتصادية مباشرة في القرى والجماعات التي احتضنت المركب المينائي وتحملت التحولات العمرانية والعقارية والبيئية المرتبطة بتطوره السريع.

بين القدرات المينائية والقيمة الاقتصادية

وفق المعطيات الرسمية، سيقام الميناء الجديد غرب محطة “طنجة المتوسط 2″، بطاقة استيعابية إضافية تبلغ 4.5 ملايين حاوية سنويا، وباستثمار يناهز 8 مليارات درهم. وتستهدف مشاريع التوسعة رفع الطاقة الإجمالية للمركب إلى 20 مليون حاوية سنويا.

لكن هذه الأرقام الضخمة تصطدم بواقع اجتماعي متباين. ففي الوقت الذي يساهم فيه إقليم الفحص أنجرة بنحو 38.3 في المئة من الإنتاج الصناعي لجهة طنجة تطوان الحسيمة، وفق معطيات سنة 2022، لا تزال نسبة الأمية تقارب 26.2 في المئة بحسب إحصاء 2024، فيما يبلغ معدل التغطية الطبية طبيبا واحدا لكل 9163 نسمة، وفق بيانات السنة نفسها.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عدنان بنشقرون أن نجاح الاستثمارات المينائية يجب أن يقاس بحجم اندماج الموردين المحليين وتطوير المهارات وإحداث وظائف مستقرة، وليس فقط بحركة الحاويات.

ويدعو بنشقرون إلى التمييز بوضوح بين القدرات المينائية والقيمة الاقتصادية الفعلية التي تستفيد منها البلاد، مشددا على ضرورة تتبع جودة الربط الطرقي وتكوين الموارد البشرية وإتاحة الفرص للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

معضلة التشغيل.. أرقام كبرى وإدماج محدود

ويشكل الولوج إلى فرص الشغل أحد أكثر الملفات ارتباطا بعلاقة شباب المنطقة بالميناء. وتكشف بيانات مؤسسة طنجة المتوسط لسنة 2025 أن منصة المواكبة المهنية لشباب الإقليم واكبت 2400 شاب، لكن نسبة الإدماج المهني المسجلة لم تتجاوز 17 في المئة، وهي أرقام تبرز محدودية تحويل المواكبة إلى إدماج فعلي في سوق العمل.

وفي سياق متصل، يؤكد المحلل الاقتصادي أمين سامي أن القرب الجغرافي من المنشآت المينائية لا يكفي لضمان استفادة السكان من الوظائف، ما لم يمتلكوا المؤهلات الضرورية.

ويقترح سامي، لضمان استفادة المناطق المجاورة، وضع برامج مواكبة تتضمن التزامات واضحة، وتحديد احتياجات الشركات من المهن والمهارات بدقة، ثم ربط التكوين بهذه الاحتياجات.

من جهة أخرى، برزت أصوات سياسية ومحلية تدعو إلى الشفافية في تتبع مسار التشغيل. فقد اقترح محمد السوعلي، القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي، إحداث مرصد إقليمي للتشغيل يتولى نشر بيانات دقيقة حول مدى استفادة أبناء المنطقة من الوظائف المتاحة، ونوعية العقود المقدمة، ونصيب النساء والشباب منها، لضمان تكافؤ الفرص وقياس مدى استفادة السكان المحليين.

الأرض والبيئة.. الكلفة المجالية للتوسع

وإلى جانب التشغيل، يطرح التوسع المينائي تحديات كبرى ترتبط بالأرض والبيئة. ويعيد الإعلان عن المحطة الجديدة فتح ملف نزع الملكية الذي رافق المراحل السابقة، حيث دعت التنسيقية الإقليمية لحزب الاتحاد الدستوري، تفاعلا مع المشروع الجديد، إلى ضمان تعويضات عادلة للأسر التي قد تشملها عمليات نزع الملكية لتشييد المرافق المرتبطة بالتوسعة.

ولا تقتصر الكلفة على الأرض، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية. ويشير يوسف اللغميش، الكاتب الإقليمي لفرع العصبة المغربية لحقوق الإنسان، إلى الآثار البيئية والصحية للمقالع التي ربط تكاثرها بالطلب على مواد البناء الخاصة بالمشاريع الكبرى. ويوضح اللغميش أن السكان يتحملون الكلفة الصحية للأنشطة الاستخراجية، فضلا عن تضرر مصادر عيشهم المرتبطة بالفلاحة والموارد المائية.

وهو ما يتقاطع مع رؤية سعيد شكري، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، الذي يطالب بمعالجة مؤسساتية لملف المقالع، وإجراء قياسات مستقلة للغبار والضجيج، مؤكدا أن الاستثمار يجب أن يحترم حقوق السكان في بيئة سليمة، خاصة مع التوسع الصناعي المستمر.

المقاولة المحلية والاندماج الاجتماعي

ويتيح المشروع المرتقب فرصا واسعة أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة والتعاونيات المحلية لتقديم الخدمات الموازية، من نقل وصيانة وتوريد. غير أن ولوج هذه الكيانات إلى الأسواق الجديدة يشترط مرافقة دقيقة لتأهيلها وتلبية معايير الجودة التي تفرضها الشركات الدولية.

وتبرز في هذا السياق أهمية إشراك النسيج الجمعوي في البرامج الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص والشفافية.

وقد بادرت مؤسسة طنجة المتوسط إلى مواكبة 30 تعاونية محلية خلال سنة 2025 لتنويع مصادر دخل السكان، إلا أن الرهان يكمن في ربط هذه المبادرات بأسواق دائمة وليس فقط ببرامج مؤقتة.

ومع حلول الموعد المرتقب لدخول ميناء “طنجة المتوسط 3” حيز الخدمة منتصف سنة 2031، تتحول التوجيهات الملكية إلى اختبار عملي لكل المتدخلين. فالأمر لم يعد مقتصرا على رفع تنافسية المغرب في التجارة البحرية، بل بات مرتبطا بقدرة هذا التوسع على خلق دينامية تنموية تقاس آثارها داخل بيوت الفحص أنجرة، وتترجم أرقام الحاويات العابرة إلى جودة حياة مستقرة للسكان المحليين.

لا توجد تعليقات